بِداية كُل شيء.

بِداية كُل شيء.

25 0

ها أنا بنان، متررددة في أمر الكتابة. جزعت قبل قليل بسبب الخبر،الذي حل علينا كالصاعقة،وأتمنى ألا يكون صحيحًا. لكنني عزمت أمري،سأكتب قصتي، فإن شعور أن تكون ممتلأً بالعواصف،لهو أمر يشق على الجميع. إنه يفتك بي.

سأعود قليلا إلى بداية كل شيء، إلى شهر أكتوبر، وكم أهيم ولهًا،ببداية فصل الشتاء . لكنه هذه المرة يأتينا بمذاق لا يستساغ . أحاول التناسي. ولكنني أرتطم بمقاستنا المٌرة. لن أسهب في سردي لما في مكنوني . سأرجع بكم إلى الماضي ، إلى السابع من اكتوبر .

×السابع من اكتوبر من سنة 2023.

ما بعد الفجر، وعند بزوغ أشعة الشمس . كنت مستعدةً للذهاب للمدرسة .إلى أن تلتقط أذناي، أصوات رشقات إطلاق الصواريخ .اتجهت صوب نافذتي، متطلعة لرؤية علامات رشقاتها،متبسمة الثغر ،مشدوهة من الأحداث .

ثم بعد ارتفاع منسوب السعادة ،هممت للخروج، وإذ برجلٍ، يبدوا في العشرينيات من عمره. فاره الطول، قصير الشعر بلون الفحم ، ذو بشرة خمرية، عينانه الواسعتان الفحميتان ، بأنف ٍ يوناني ،شفاه عريضة ممتلأة. دنا مني، حادجًا إياي، بنظرات ملؤها التعجب والاستنفار. مبرمًا شفتاه.

قائلًا بنبرته ،الرجولية الساخرة .

: مهلا، مهلا ؟ إلى أين .

أنزلت جفاني ، مكشرة عن ملامحي .محدثة إياه بنفس التعجب ،الذي رمقني به.

: إلى المدرسة بالتاكيد.

رمقني بي من شعري ،إلى أخمص قدمي . ورُسمت السخرية على ملامحه.

فرد علي مستهزئًا.

: أعتقد أن أصوات الألعاب النارية، كان صاخبًا. لا مدرسة اليوم لك.

حملقت به ، وملامحي تعبر عن الأسى .إنني أحب المدرسة ، لا لتفوقي . بل لأنني اجتماعية، أهوى مغامراتها ، تنافسي مع زميلتي جوري لإثبات ،من هي الأجدر للتفوق هذه السنة . نسيت تعريفكم ،إنني في العام الأخير ، من المدرسة. ورغم أننا في بالبدايات، قررت جعله مليئًا بالذكريات التي لاتنسى .

استغرب أخي عامر من شرودي ، أجال نظره بالأرجاء ثم تركني، نادت علي أمي لتناول الإفطار ، وكم أحب وجباتها الدسمة، إنها في كل مرة تدهشني بمذاق مختلف.

أنهيته ، ثم تلفت إلى المكان ،تحدثت أمي قائلة بنبرة هائمة ، وكأنها كانت غارقة، في دوامة من التفكير .

: أفكر بالتسوق بعد الظهيرة . من الميسور الآن تأمين إحتيجاتنا.

رمقت عامر ببندقيتي، تلاقت مقلتانا لبرهة . ثم رد عليها بثقة.

: أدعم فكرتك ، كنت ساقول أن علينا الذهاب .

بعدما ساعدت أمي ، ذهبت لغرفتي . فتحت بابي من خشب الزيتون . توجهت الى مكتبي ،لمراجعة بعض الدروس ، وبعد عشر ثواني رميت الكتاب خلفي . أمسكت الهاتف لأتصل على سندس ، ظهر لي أن الرقم مشغول الآن. حدثت نفسي : بم تنشغلين ؟وددت محادثتك . ثم حدقت في غرفتي المتواضعة ، لم أكن اعلم أن تفاصيلها الدافئة قد تغدوا لتصبح بصمة طفيفة في ذاكرتي ، أتذكر سندس وأنا قلقة عليها، فإنها تمر بظروف قاسية ولابد لي مراعاتها .

بعد فترة وجيزة ، كنت قد فتحت على صفحات الميديا، أقلب فيهم ،لأعرف ردود فعل شعبي ،والعرب،والعالم ، على عملية " طوفان الأقصى " وهذه الفيديوهات هي أكثر ما تفاعلت معه .

الأول ، مع عجوز اسرائيلية .

تلألأت الدموع في مقلتاي ، قهقت كثيرًا.

ثم الثاني ،عندما اقتحم بعض الرجال سكن إسرائيلي ، مبعثرين بأرجاء سكنه ،إلى أن وجدوا ثلاجة ، ليسرقوا محتوياتها .

وقد صعقت من جرأتهم، وأيضا ، لم تسرق وأنت تمتلك مثيل ما سرقته ؟

فالثالث ، عندما قام رجل بجر جثة بين شوارع غزة، بدرجاته النارية ، بحرفية كانت الجثة تسحب عبر كل طرقات غزة .

رغم حقدنا عليهم ، إلا أنني شعرت بالشفقة عليه، أعلم أنهم لا يضعوننا بعين الإعتبار ، لكن شيئًا بداخلي تأثر بقوة من الفيديو، اقتله فحسب، لا داعي للعبث بالجثة .

في غفوة انغماسي ، أعدت والدتي الغداء، وبما أنني وضعت سماعة الأذن ، فإنني في العالم الآخر ، متناسية لها، وهي كانت تصرخ منادية باسمي ولم أسمعها .

إلى أن فتح عامر الباب بعصبية بدت على تقاسيمه .، هذا ما انتشلتني لأعود للواقع . راقبته بمقلتي المتعجبتين ،لتعلو نبرة صوته الثائرة .

: يا أختي العزيزة ، لقد سمع الجيران صوت والدتي ولم تسمعيه، أخبرينا انك تضعين سماعاتك اللعينة.

تنهدت بمرارة ،لمعت بندقيتي ، بندم جلي .

رددت عليه بنبرة متأسفة.

: آسفة...... تعلم أنني انغمس كثيرا..... اعذرني .

تنهد بعمق ، فاركًا فروة رأسه بيده.

: حسنا، اذهبي لمساعدتها ، لكنها أنهت إعداد الغداء .

تركت عامر ، متوجهة بسرعة لوالدتي ، من المستحيل أن يمر يومي ، دون أن أوبخ ، ها هي ذي تبدا فقرتي المفضلة، كمذاق القهوة المالحة، عند وصولي لوالدتي قرصت وجنتاي بقوة ، صارخة بي وهي في أوج غضبها .

: إيه ياهذه ، سأكسر سماعتك هذه ، لقد نبهتك أكثر من مرة ، لكنك لا تصغين ،ألا تملين ؟

: أميمتي الحنون ، إن لي وجنتان تورماتا بالفعل ، فلا تزيدي ألمي همًا ، أقسم بالله أنها المرة الأخيرة .

تلاقت العينان ،بندقيتان اكتسحهما الندم ، فحميتان ،بدأ بركان غضبها يعلن عن هدنة .

لذا وبعد الغداء ، قررت إعداد كعكة ، ولم اتمكن في معرفة ايما نوع سأعد ، إذ مباشرة ، أعلمني عامر أننا سنذهب للتسوق ، وبما أنني أهوى ملوحة القهوة ، تأخرت عنهم ؛ لأني أعشق تأمل قسمات وجههي ، وإذ بأميمتي تفتح باب غرفتي ، وقد أمنعت نظرها لي بحدقتيها التي عاد بركانهما يهيج ، ابتعدت عن المرآة ، جُذبت بواسطتها من شعري إلى الخارج ، وكانت تُتمتم بصوت خفيض، حتى الريح لم تسعفني لمعرفة ما قالته.

انطلقنا بسيارة عامر المتواضعة . أمعنت نظري في خلو الطرق . ثم وجهت عيني للسماء بصمت ، اعتياد أمي لسماع ثرثرتي عند الذهاب للسوق ، جعلها ترمقني بتمعن، متفكرة في هدوئي لبرهة، بينما عامر مركز على القيادة . وصلنا بعد مدة قصيرة إلى وجهتنا، "مول مترو". لم تخب ظنوني يومًا؛ فتكدسنا في المول بسبب الزحام، عانينا فعلًا لإقتناء ما يؤينا هذه الأيام. وبشق الأنفس، تذكرت الكعكة، فاشتريت مكوناتها. وبعد ساعتين من التسوق، عدنا أخيرا للمنزل، فشرعت بإعداد الكعكة، أما عن الإثنين فإن التوتر كان مرافقًا لهما، انكببت في عملي، لأبعد التوتر، كي لا ينتقل لي .

تنهدت بعمق، لتتردد الأسئلة في ذاكرتي :"ماذا تخبئين من فواجع أيتها الحياة؟ أهذا بزوغ لشمس الحرية لتحقيق الحلم، لاسترجاع فلسطين من النهر إلى البحر، أم ستتحمل غزة وحدها، عاقبة ما بدأته ؟.

أسيكون تحريرنا بهذه البساطة كإعداد كعكتي؟، أم سنكمل عقودا ليتم الأمر ؟"

تثائبت لدن قليل ، أشعر برغبة عارمة في النوم ، لا أرى معنى لبقية ما سأكتب ، إذ حملت الأيام التالية أحداث كارثية ، وليس من ميسوري أن استذكرها الآن، إنها تحمل وقعًا قاسيًا في أعماقي .

______________________________________________

لا أحبذ اني أحكي بالفصحى سووو ، كيف الفصل هل أعجبكم

القصة مقتبسة من أحداث واقعية حصلت معي .

ملاحظة :

الرجال المذكورون بالفصل لا يرمزون لحماس نهائيا إنما اقصد بعض تحركات الشعب إلى غلاف غزة يوم السابع من أكتوبر

دمتم بخير

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مذكرات نازحة

المؤلف Lama Habboub
2025/09/13 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة