المقدمة \"بحر الموت\"

المقدمة \"بحر الموت\"

38 0

المقدمة

"بحر الموت"

البحر الميت، ١١٠٠ ب.ف)١(.

الشمس تضيء كل شيء، تأخذ مركزها كعين ذهبية في كبد السماء وتنشر اشعتها لتنير دروب الجميع، كالأم التي تخشى على اطفالها من الظلام، البحر ساكن عكس عادته، صفحة زرقاء تتلألأ مع انعكاس نور الام، لن يفسد سكونه الا ضجيج البشر.

وها هي، سفن خشبية عملاقة براياتها السوداء، تتسلل في مياه البحر الهادئ وتعكر صفوه حتى في هذا الجزء المنعزل من العالم، شوه البشر سكون الطبيعة.

هرج ومرج صراخ شتم ولجب، يالهم من رعاع، الا انهم اختيروا لهذه المهمة لأنهم رعاع لا خوف عليهم ولا من يحزن على فراقهم.

تشق السفن دربها الى ذلك الستار المظلم الملعون، حيث فصل هذا البحر لنصفين: جزء يتلألأ تحت أشعة الشمس حيث ييحرون، وآخر يختبئ تحت غطاء السحب الداكنة والضباب الملتصق بسطحه، رؤيته لوحدها تكتم النفس والروح.

ايام وهم يحوموون حوله كالنسور، لم يشهدوا شيء يخرج او يدخل، لقد أرسل القرصان رجلين عديمي النفع على متن زورق صغير، دخلا ولم يخرجا.

ولم يزد هذا الا ان جعل رعب الطاقم يتحول الى فزع.

دوى صوت صفير. أطلقه فتى صغير يجلس في سلة الغراب أعلى صارية احد السفن. صفيرٌ ذو نغمةٍ يعرفها الجميع، أمرٌ صريح بتبديل المسار من الغرب نحو الشمال.

الرجال على سطح السفينة يلتقطون الحبال التي توجه الاشرعة ويرخوها. الرياح تضرب الاشرعة وتغير اتجاهها وطاقم يتشبثون بالحبال لتوجيهها. لحسن حظهم لم تكون تلك الرياح بتلك القوة كانت هادئة نسبيا، لذا لم تكن تلك الاستدارة عنيفة او خطرة على الاطلاق.

وبدا القبطان، ذلك الرجل الاشقر الوسيم يأخذ بعجلة المقود في الدفة ويدوره نحو الشمال، وبرزت عروقه كحبالٍ مشدودة تحت جلده. وتلتف السفينة وعلى مهل تميل بهم. وما إن أتموا ربع دورة حتى راحوا يربطون الحبال لتثبيت مسارهم بعد ضبط اتجاههم.

وتتجه السفن بثبات نحو الجزء الغامض المعتم من البحر.

ثبت القبطان الدفة ولمعت عينه الصفراء وابتسامة حماس ارتسمت على جانب شفته، يكاد يشعر بثوران الدم في عروقه، انه يحب، يحب هذه المخاطر التي تجعله يشعر بالنشوة، تجعله يشعر بذلك الخوف المحبب لقلبه.

على عنقه قلادة خشبية بسيطة، تحمل رمز عشيرته وولاءه لها. نُحت عليها اسم «ولنر». تتدلى بين أزرار قميصه المفتوحة، حيث يتصبب العرق على جلده البرونزي.

وقف هناك، يتأمل المشهد، يتأمل المجهول ويسمع دقات قلبه.

لا يكترث للخوف الذي يتربص برجال طاقمه، خائفين من تهور قرصانهم، لطالما عُرف القرصان ولنر أنه رجل لا يهاب شيئًا، عرف بتهوره وعنفه حتى سيطر على البحار، لكن اليوم هو يأخذهم للتهلكة، يبصرون موتهم بأم اعينهم خلف جدار الضباب الاسود.

أمامهم القارة التي ابتلعها البحر منذ ألفٍ ومئة عام، ومنذ ذلك الحين يغمرها الضباب الأسود. لا أحد يجرؤ على اختراق ظلمته.

قصصٌ كثيرة سمعوها عن رجالٍ أشدّاء وأغبياء غامروا ودخلوا الضباب... ولم يخرج منهم أحد قط.

والآن، روبن ولنر نفسه يقودهم إلى هناك وهو يبتسم.

دنى منه أحد الرجال مرتعد الجسد، وقال مترددا وهو يفرك كفيه ببعضهما البعض: قبطان… لعلّك تعيد التفكير بالأمر.

ضاقت عيني ولنر، التف له على مهل، القى نظرة سخط بطرف عينه جعلت الرجل يرتعش ويبتلع ريقه ليجيبه ولنر: منذ متى يتراجع ولنر عن وعدٍ قطعه؟ قلت إني سأجوب أراضي العالم أجمع، وسأفعل ... لن توقفني أسطورة سخيفة.

رطب الرجل شفته وتشجع وقال: لكنهم يقولون إن ...

لم يكمل جملته فقد حدجه روبن بحدة، أرتعب الرجل لا يريد إغضابه أكثر، ان فعل فسيُلقى به في البحر، وأن لم يمت من الضباب يموت غرقا، ليتلبك ويقول محاولا الحفاظ على حياته: اعتذر، قبطان، لن أكررها مجددًا.

وولى هاربا إلى لعمله، تنهد روبن بضيق، واعطى أوامره، ثلاث سفن ستدخل الى الظلام وثلاث اخرى ستبقى تنتظر ها هنا.

راحوا يشقون دربهم نحو الظلام شيء فشيء. هناك، خلف الضباب تقبع ثروات القارة الام و روبن يريدها لنفسه، ان وصل لها لعاش منعمًاليوم الأجل.

وبعد دقائق، اخترقت السفن الثلاث الضباب بتؤدة، وراح الضباب الكثيف يلتف حولها كالقماش المظلم، تلاطمت الأمواج بخشب السفن، وصرير الألواح يئنّ تحتها، والجميع متوجسون في صمت. يعومون في هذا الظلام ولا يبصرون شيء، الجو أصبح أكثر برودة، ورائحة المكان تكتم النفس.

توقفوا حين دوّى ارتطامٌ خافت في مكانٍ ما، لكنه سرعان ما تلاشى ... لا شيء، أو هكذا ظنّوا. ويتردد صدى صوت روبن قاطع الصمت وامرهم: أوقدوا النيران.

من السكون كان صوته واضح جدا لطاقم السفن الثلاث وبعضهم فزع منه. وتحركوا نحو الفوانيس ليوقدوها ولكن وقبل ان يشتعل اي منهم حتى بدا الضباب بالانقشاع تدريجيًا، يتسلل بعض نور الشمس الواهن الواهن وتجمدوا جميعا من هول المنظر.

منظر جعل روبن يترك مقود الدفة ويتجه لحافة السفينة يرى الحطام يطفوا فوق مياه البحر الساكن الضحل كشواهد القبور. ويمتد مع امتداد بصره ويذوب في الضباب. من المستحيل أن تعبر السفن الثلاث من هنا معًا… وكيف لهذا الكمّ الهائل من الحطام أن يطفو بهذا النظام؟ يكسوه الطحلب الأخضر كجلدٍ عفن. ابتلع ريقه، ورأى في صفحة الماء انعكاس عينيه الصفراء. هناك، في تلك النظرة المرتجفة، بدأ الخوف يطلّ من داخله. احكم قبضته حول الحافة الخشبية، انه اقوى من هذا كله، هو قادر على فعلها، وهذا المنظر لن يؤثر عليه، لقد راى الاسوء...

مهلا... ارتعش جفنه لوهلة، ما الذي راه للتو؟

لا... كيف ومتى شعر بالقشعريرة تسري بجسده وهو رأى بمحيط عينه الرجال جواره يتساقطون في اماكنهم كألواح الخشب بلا روح.

اختفى صوت همساتهم الخافتة و انفاسهم ويشعر بحركة، حركة لا يمكن ان تكون بشرية.

التف روبن بسرعة الا انه تسمر في مكانه، يكاد لا يتنفس ولا يشعر سوى بدقات قلبه. جميع طاقمه سقطوا على الارضية وقد نحروا من رقابهم والدماء راحت تنزف وتغرق سطح السفينة. جميع طاقمه للسفن الثلاث، جميعهم موتى، وهوى جسد الفتى النحيل من اعلى الصارية ليتهشم على الخشب وفزع قلب روبن.

لم يبقى ألا هو حي هنا، ولا يسمع الا انفاسه ودقات قلبه، كيف ومتى سؤالان يعصفان بمخه، وخطا بضع خطوات للخلف متأني لكنه توقف بعدما شعر بشخص يقف خلفه، يشعر بتلك الطاقة المظلمة ورياح الباردة تضرب جسده، قبض يده حول مقبض سيفه الذي أستقر عند خصره وقلبه يدق بسرعة لكنه تشجع ليستدير ببطء وقبل أن يستل سيفه حتى شعر بيد باردة كالصعيق تمسكه ولشدة برودته يكاد روبن يشعر بأوردته تتجمد، توسعت عينه، تتسارع انفاس، قلبه يقفز في حجره، يحدق برعب نحو ذلك الشخص أمامه حتى كاد ينسى ألم يده.

شخص طويل القامة يحيطه هالة من الظلام، بشرة شاحبة كالموت، اتسعت حدقتي روبن وهو ينظر لتلك العيون الحمراء الدموية وتحيطها هالة سوداء ، ذلك الوجه النحيل وعظام وجهه البارزة يحدق به بجمود، نظرات مخيفة لا تمتد للحباة بصلة، عيونه عميقة مظلمة وكأن بحر الدم يثور بها.

تمالك روبن نفسه بصعوبة، سمع عنه سابقًا، أهو حقًا كما يدور في باله! أهو سيد الظلام الذي كانت تحكي له أمه قصته له قبل المنام. الاسطورة التي يؤمن بها سكان الجزيرة الكبرى)٢( . أجل هو كما وصف تمامًا.

عاد روبن بضع خطوات للخلف يرتعش بخوف مما يرى لكن سرعان ما سحبه الرجل الشاحب من رقبته بقوة وأضافره الحادة اخترقت جلده لتجرحه ولم يستطيع روبن الحراك، يشعر بجسده جُمد تمامًا، فقط ينظر برعب للقابع أمامه، ينظر لعيون الدم هذه، ويقول الرجل بصوته الهادئ جاف: ولنر هنا.

التمس بيده للأخرى القلادة التي حول رقبة روبن، واقشعر بدن الاخير وكأن روحه ستتملص من جسده، ينظر الظلام للقلادة يتأملها بعيونه الحمراء وتمتم: "أورليتي".

-----------

*

1- ب.ف (بعد الفيضان): التاريخ المُتبع، وسمي بهذا الاسم نسبة أنه بدأ يدون بعد غرق القارة الأم (حادثة الفيضان العظيم) أو قارة الملوك وكما باتت تعرف بالقارة الغارقة.

2- الجزيرة الكبرى: اسم يطلق على قارة الشمال وقارة الغرب مجتمعتين معًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

جان

المؤلف R_world
2025/09/12 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة