مسدس و كتاب

مسدس و كتاب

15 0

لا تنخدع هم ليسوا كما تظن...

عزيزي القارئ

في حال شعرت أن رأسك يثقل من غموضهم وأن قلبك يعتصر لمأساتهم فقد يكون الوقت قد حان لإغلاق شاشة هاتفك والهروب بعيدًا عنهم... قبل أن تصاب بالجنون مثلهم.

الحب... كلمة شائعة نسمعها يوميًا لا يكاد يمر يوم دون أن يتردد صداها حولنا

لكنها و رغم بساطتها تحمل في طياتها تعقيدًا يعجز اللسان عن وصفه .. ما هو الحب حقًا .. لماذا يرتبط بشخص واحد دون غيره ..

لماذا يتمكن شخص معين من امتلاك قلبك .. فتغمض عينيك مستسلمًا له غارقًا فيه .. متناسياً كل عيوبه ليصبح هو ملاكك الأبيض في هذا العالم المليء بالظلام

يقال إنك في حياتك السابقة قد وقعت في حب ذات الشخص .. لكنك تهت عنه في دورة الحياة الجديدة ليبقى قلبك مجمدًا حتى تعثر عليه من جديد وحينها فقط يعود للنبض...

إذًا فالحب نائم داخل قلبك ينتظر أن يوقظه ذلك الشخص في الوقت والمكان المناسب.

لذلك لا تستعجل انتظر حبك فهو قادم إليك لا محالة لكن تذكر .. الحب ليس دائمًا طمأنينة.

احيانًا يكون نصلًا حادًا يشق طريقه في روحك يجرحك بعمق .. ولا يترك لك خيارًا سوى أن تتألم في صمت...

أسرعت تصعد إلى غرفتها .. والدموع تملأ عينيها كيف للقدر أن يكون بهذه القسوة .. كيف يمكن له أن يسلبها ما وجدت بعد أن ضحت بكل شيء

لم تمنحها الحياة أي دقائق إضافية لرؤيته

.. سرقته منها كما أرسلته إليها .. كانت تبحث عنه منذ زمن .. تريد أن تخبره بكل ما مرت به .. بكل الألم الذي كان يكبر داخلها كجحيم لا يبرد

أليس هو أشهر طبيب معالج في ألمانيا .. ألم يكن هو الوحيد القادر على علاجها

رمت بجسدها على السرير .. دفنت رأسها تحت الغطاء .. وتركت شهقاتها تعلو في المكان .. نوبة البكاء لم تهدأ سريعًا لكنها انتهت كما ينتهي كل شيء في حياتها بصمت بارد ومرير.

عندما رفعت رأسها أخيرًا وقع نظرها على الطاولة الصغيرة بجوار السرير هناك كان المسدس ممددًا بثبات

يلمع تحت ضوء المصباح الخافت وكأنه يبتسم لها بسخرية قاتلة .. هذا المسدس... الذي استطاعت سرقته من زوج والدتها .. الرجل الذي رعاها طوال تلك السنين و بجانبه كان هناك كتاب قديم غلافه مهترئ كأنه شهد مئات العواصف .. لكنها لطالما أحبته .

بقيت تحدق إليهما للحظات طويلة وكأنهما يعقدان معها اتفاقًا صامتًا..

نهضت من السرير ببطء .. سارت نحو الطاولة وجذبت المسدس بين يديها تلمسته بأطراف أصابعها تتفحصه كما لو كان قطعة أثرية تعود لعصر آخر.

أصابعها ارتجفت لوهلة لكنها تماسكت وانزلقت نظرتها نحو الكتاب.

جثت على الأرض استندت إلى السرير وزفرت زفرة طويلة قبل أن تغمض عينيها بشدة.

كان هناك صوت داخلي يصرخ يتوسل يحاول إيقافها لكنها كانت مرهقة جدًا لسماعه أغلقت على نفسها كل الأبواب لتبدأ رحلتها في عالم آخر...

عالم بعيد كل البعد عن واقعها عالم لم تعرف عنه شيئًا عالم لن يكون الدخول إليه بتلك السهولة التي تتخيلها.

لكنها لم تعد تبالي ربماهناك... ستجد أخيرًا ما كانت تبحث عنه طوال حياتها .. ربما هناك تجد من رحل عن هذا العالم قبل أن تراه أو يسمعها حتى ...

......................................................................

واقفًا على بعد مسافة قصيرة منها مختبئًا تحت قلنسوة معطفه الأسود يراقبها بدقة شديدة كيف كانت تقف هناك

بالقرب من قبر والدها مرتدية السواد بالكامل وكأنها تشرع أبواب الحزن الذي اجتاح حياتها فجأة دون إنذار.

كانت تحاول جاهدًة كفكفة دموعها لكنها كانت تتساقط بغزارة كأنها تريد دفن مأساتها بجوار جثمان والدها .. لعلها تخفف عن نفسها وطأة هذا الفقد.

حرك نظره قليلًا نحو الفتاة التي تقف بجانبها صديقتها التي كانت تمسك بيدها اليمنى عكازًا .. بينما تستخدم يدها الأخرى لمساندتها وكأنها تحاول منعها من الانهيار تحت ثقل أحزانها.

زفر بأنفاس مثقلة شعر باستياء غريب يعتريه وهو يراقبها لم يكن يتوقع أن يجدها هنا ولم يكن يتوقع أيضًا أن يجد نفسه مجبرًا على أذيتها في يوم من الأيام

لكنها الآن دون أن يدرك كيف أو لماذا احتلت جزءًا كبيرًا من تفكيره حتى بات يطاردها من مكان إلى آخر يتقصى أخبارها بعد كل ما حدث بينهما.

خطت خطوة أخرى نحو قبر والدها بينما اقتربت صديقتها منها أكثر سحبت منها العكاز برفق وأمسكت يدها جيدًا لتمنحها بعض الثبات.

نظرة واحدة للقبر كانت كفيلة بأن تتهاوى دموعها بغزارة .. خيط طويل من الألم مزق روحها في لحظة

لقد قضت مع والدها يومًا واحدًا فقط... يوم واحد لا غير .. ليسلب منه عمره .. ويلقى داخل أحضان الموت

بينما كانت هي على وشك مرافقته إلى الحياة الأخرى .. لكن بطريقة ما استيقظت في المستشفى مصابة برصاصة في قدمها وأخرى في يدها.

لا تزال تذكر ذاك اليوم المشؤوم بكل تفاصيله .. بقدر ما ظنت أنه سيكون يومًا سعيدًا .. اتضح لها لاحقًا أنه أسوأ أيام حياتها.

في كل مرة تتراءى لها صورة والدها الغارق في دمائه كانت تشعر بالجنون يجتاح عقلها وكأنها عالقة في كابوس لا ينتهي.

أي نحس هذا الذي يرافقها طوال حياتها .. لماذا عليها دائمًا أن تخرج من حزن لتسقط في آخر .. متى سينتهي بؤسها

وإلى متى عليها تحمل كل هذا الألم .. هل هي لعنة .. قدر محتوم .. أم مجرد صدفة قاسية جعلت من الحزن رفيقها الأبدي

اقتربت سيليرا منها أكثر .. وضعت يدها على كتفها بحنان تحاول مواساتها رغم علمها المسبق أن كلمات العالم بأسره لن تكفي لمواساتها.

"يجب علينا أن نذهب الآن الجو أصبح باردًا "

بقيت إيرما تحدق بالقبر بصمت وكأنها لم تسمعها قبل أن تهمس بصوت مبحوح

"لا أريد ذلك يمكنك الذهاب إن أردتِ "

تنهدت سيليرا لكن إصرارها لم يتغير

"لن أتركك بمفردك "

سادت لحظة صمت قبل أن تستدير إيرما ببطء وتنظر إليها .. من يراهما يظن أنهما صديقتان مقربتان منذ الطفولة لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا.

تعرفت عليها بعد الحادث المشؤوم حين فتحت عينيها في المستشفى لتجد سيليرا تجلس بجوارها تنتظرها لتستيقظ.

لم تفهم وقتها لماذا كانت هناك لكنها علمت لاحقًا أنها ابنة صديق والدها المقرب وأنها الآن تقيم في منزلهم.

ومنذ ذلك الحين وبسبب مجهول بالنسبة لإيرما كانت سيليرا تهتم بها بشكل مبالغ فيه .. ربما لأنها ابنة صديق والدها وربما كان هناك سبب آخر لم تفكر فيه كثيرًا.

لكن الحقيقة الوحيدة التي كانت تشغل عقلها الآن هي رحيل والدها الغامض... الغريب... والظالم للغاية.

......................................................................

ببذلته السوداء الأنيقة ونظارته الشمسية كان يتجول بين حرس القصر بخطوات واثقة يتأكد من جاهزية الجميع

يتفحص كل زاوية .. يراقب كل حركة .. كان عليهم أن يكونوا دائمًا على أهبة الاستعداد لأي هجوم محتمل خاصة في هذه الأوقات العصيبة.

فبعد مقتل صديقه المعالج النفسي أصبح متأكدًا أن ذلك الهجوم لم يكن مجرد صدفة بل كان مدبرًا بعناية.

كان يعلم أن هناك احتمالًا كبيرًا بأن يكون الهدف التالي ليس لأنه صديقه فحسب بل لأنهما كانا مشتركين في أمر لا يمكن العبث به أمر جعله الآن في حالة استنفار دائم.

ولم يجد رجل الأعمال الشهير شتيفان أفضل من ديريك لا.مارك الضابط الأعنف في المخابرات الألمانية ليتولى مسؤولية الحماية.

فهو ليس فقط ضابطًا صارمًا بل ابن صديق العائلة المقرب مما جعله الخيار الأمثل لهذه المهمة.

لم يخطئ شتيفان في اختياره ف ديريك قام بتأمين القصر بالكامل بأسلوب احترافي لا يترك أي ثغرة وضع خطة محكمة تضمن حماية القصر وسكانه خاصة ابنته الوحيدة سيليرا.

لم تمض سوى لحظات حتى وصلت سيارة سوداء فاخرة إلى ساحة القصر تبعتها سيارة مرافقة.

توقفت الأولى ببطء قبل أن تفتح الباب وتخرج منها فتاة ترتدي ثوبًا أسود قصيرًا تسير بخطوات هادئة وعيناها تتجهان فورًا إلى ديريك حيث رسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة.

لكن سرعان ما وجهت انتباهها إلى صديقتها الجديدة إذ أسرعت لمساعدتها على النزول من السيارة.

اقترب ديريك منهما بخطوات ثابتة ومد يده نحو إيرما ممسكًا بيدها بحزم ليساعدها على السير نحو الداخل.

لم تبادر بأي كلمة كانت غارقة في صمت ثقيل تائهة بين أفكارها ودموعها التي لم تتوقف عن مسحها بين الحين والآخر.

الجميع داخل القصر كان يقدر حزنها لدرجة أنهم ارتدوا الأسود تضامنًا معها كأنهم يشاركونها هذا الفقد.

لم تكن تعرف الكثير عن الرجل الذي استقبلها في المستشفى وأخبرها بوفاة والدها لكنها تذكرت كلماته جيدًا

"والدك طلب مني شخصيًا أن أعتني بك "

وهكذا وجدت نفسها هنا... ليس لأنها أرادت تنفيذ رغبة والدها بل لأنها تملك هدفًا آخر .. هدفًا لن تتخلى عنه وبمجرد تحقيقه ستعود إلى مدينتها وإلى والدتها.

بمجرد أن صعدت إيرما إلى غرفتها استدارت سيليرا لتنظر إلى ديريك الذي كان ينسحب للخارج بهدوء.

لم يمض الكثير من الوقت على وجوده داخل القصر لكنها لاحظت هذه المرة أنه كان مختلفًا .. بدا أكثر يقظة و أكثر استعدادًا.

لقد قبل تولي مسؤولية حماية القصر وهذا يعني أنه سيتردد إلى هنا كثيرًا وهذا ما جعل سيليرا تشعر بشيء غريب .. شيء أشبه بسعادة خفية لم تستطع تفسيرها.

منذ اللحظة الأولى التي رأته فيها وهي تشعر بأنه يتسلل إلى قلبها بهدوء دون أن تدري كيف.

كيف يمكنها أن تقع في حب هذا الضابط الصارم .. فهو لا يتحدث كثيرًا .. كلامه مختصر دائمًا و ملامحه جامدة .. نادرًا ما يبتسم.

بل إنه هادئ بطريقة تثير الريبة وكأنه يخفي خلف هدوئه أسرارًا لا تنتهي و الأمر الأكثر إرباكًا هو أنها لم تكن خالية القلب تمامًا...

فصديقها في الجامعة كان مغرمًا بها وكانت تشعر بانجذاب نحوه .. بل إنها كادت أن تعترف له ذات يوم بمشاعرها لكنها لم تفعل...

والسبب ديريك.

في ذلك اليوم الذي أرادت أن تفصح عن حبها لصديقهل .. ظهر ديريك فجأة بطريقة غير متوقعة وكأن حضوره وحده كان كافيًا ليقلب كيانها رأسًا على عقب.

والآن تجد نفسها في حيرة من أمرها.

هل تستغل وجود ديريك داخل القصر وتحاول التقرب منه .. أم تعود وتعترف بمشاعرها لصديقها رغم أنها لم تعد متأكدة مما تشعر به

وقفت أمام غرفتها .. تأخذ نفسًا عميقًا وهي تفكر...أي الطريقين يجب أن تختار ..

.....................................................................

دخل ميكائيل إلى شقته البعيدة عن ضوضاء المدينة تلك الشقة المنعزلة في أطراف الغابات حيث لا أثر للبشر ولا صخب الحياة اليومية.

ألقى مسدسه على الأريكة ثم أزاح قلنسوته عن رأسه وعبث بذقنه بينما كان يعض على شفته بسبابته .. عادة قديمة لديه عندما يغرق في التفكير العميق.

اتجه نحو المطبخ المفتوح على صالة الجلوس يبحث عن شيء يساعده على تصفية ذهنه المشوش.

أعد لنفسه كوبًا من القهوة .. وتوجه به إلى الصالة ليجلس على الأريكة من ثم يرتشف القليل من القهوة الساخنه مغمضًا عينيه يتمعن في الطعم الذي اخترق رأسه كأنه يوقظه من أفكاره المتشابكة.

لكن الأمر لم ينجح ما زال عقله في حالة من التشويش المستمر.

لديه أعمال متراكمة مهمات يجب إنهاؤها لكن بهذه الحالة من الذهن المضطرب .. من الصعب عليه التركيز.

أغمض عينيه مجددًا وضع أصابعه على جبهته يدلكها قليلاً باحثًا عن لحظة راحة لكن ما لبثت أن تراءت له صورتها...

عيناها المصدومتان تحدقان به .. نظراتها التي اخترقت روحه و جعلت قلبه يرق ويده ترتجف...

يده التي لم ترتجف أمام أحد .. يده التي لم تخطئ هدفها أبدًا .. لم تزحزحه عن مساره ولا حتى ميليمتر واحد. لكنه وجدها جع يده ترتجف أمامها .. لأول مرة في حياته تزلزل يقينه.

أدرك ميكائيل الآن بأن ليس رأسه المشوش... بل قلبه ومنذ ذلك اليوم وهو لم يعد كما كان.

بل بات شخص مختلف تمامًا .. شخص لم يكن يريد أن يصبح عليه .. شخص غريب عن ذاته التي يعرفها.

تنهد ببطء .. ثم التقط حاسوبه المحمول وخرج إلى الشرفة المطلة على الغابة حيث الهواء البارد يحيط به

كان المنظر أمامه يعكس الهدوء المطلق حيث لا صوت لمحركات السيارات ولا صخب المدينة .. فقط أصوات الطبيعة وهمسات الرياح بين الأشجار مكان مثالي له... مكان يناسب شخصيته الغامضة.

فتح حاسوبه وبدأ يتصفح قائمة أعماله .. كل شيء يحتاج إلى تركيز .. كان هناك قائمة طويلة من الأسماء و تواريخ محددة بدقة

لا مجال للخطأ أو التأخير. في عمله كل ثانية محسوبة .. كل لحظة لها أهميتها القصوى و أي تأخير بسيط قد يعني النهاية.

غدًا لديه مهمة... مهمة لا مجال للخطأ فيها إذا أخطأ لن يعود ليرى هذه الحياة مرة أخرى.

لم يكن الموت يخيفه من قبل لكن الآن عليه أن يعترف بالأمر بينه وبين نفسه عليه أن يواجه الحقيقة... اقد بات خائفًا من الموت.

لسبب واحد فقط لو مات لن يراها مجددًا .. ولو مات ستترك وحدها في هذا العالم القذر بين وحوش البشر بلا حماية بلا سند وهذا أكثر ما يخشاه.

ميكائيل الشاب الغامض صاحب القلب الصلب الذي لم يكن يملك يومًا أي نقطة ضعف وجد نفسه اليوم مكشوفًا تمامًا.

بات لديه نقطة ضعف نقطة ضعف ظهرت له من العدم واستحوذت عليه بالكامل ولكنها كانت أجمل نقطة ضعف يمكن أن يمتلكها أي رجل في هذا العالم...

و بعد عدت سنوات من الوحده الملاك الأسود بات له جناحان أبيضان .. وعليه حمايتهما من البتر... بأي ثمن

......................................................................

في المساء كان القصر غارقًا في الأضواء التي كان شعاعهت يتراقص على الجدران المزخرفة بينما اجتمع الجميع حول طاولة العشاء الطويلة في قاعة الطعام الواسعة.

الأجواء كانت مزيجًا من الفخامة والتوتر الخفي الذي لم يخفَ على أحد... جلس السيد شتيفان على رأس الطاولة مظهره المهيب يفرض حضورًا لا يمكن تجاهله.

كان يرتدي بزة سوداء أنيقة بخيوط ذهبية خفيفة تزين أطرافها مما أضفى عليه هالة من العظمة و إلى يمينه جلست زوجته السيدة إلين بفستان كحلي طويل مرصع بأحجار صغيرة تلمع تحت وهج الاضواء

تقابلها ابنتهما سيليرا التي كانت ترتدي فستانًا خمريًا مكشوف الكتفين يبرز جمالها البارد وعينيها اللتين تشعان ذكاءً ودهاءً.

رفع السيد شتيفان نظره عن طبقه متفحصًا الوجوه حوله قبل أن يسأل بصوت عميق

"أين هي إيرما .. لمَ لم تأت إلى الآن "

ارتشفت سيليرا القليل من النبيذ الأحمر من كأسها البلوري قبل أن تجيبه بنبرة هادئة لكن مشوبة بقليل من البرود

"قالت إنها متعبة وتود الخلود إلى النوم"

ثم توقفت لوهلة كأنها تتردد في طرح ما يدور في ذهنها قبل أن تضيف بصوت أكثر جرأة

"أبي كيف لك أن تثق بها "

لم يكد السيد شتيفان يفتح فمه للرد حتى تدخلت السيدة إلين مستندة بكوعها إلى الطاولة وملامحها تعكس قلقًا لم تحاول إخفاءه

"نعم عزيزي سيليرا محقة ماذا لو لم تكن حقًا ابنة الطبيب إيثان "

تنهد السيد شتيفان وأدار بصره بين زوجته وابنته .. لم تكن هذه المرة الأولى التي يطرح فيها هذا السؤال بل أصبح شبه يومي منذ قدوم إيرما إلى القصر وهذا بدأ يثير استياءه.

"أعلم أن قدومها المفاجئ كان صادمًا للجميع..."

قالها بصوت خافت قبل أن يصمت للحظات وكأنه يستجمع أفكاره ثم تابع

"لكن ما صدمني أكثر هو أن إيثان لم يكن يتحدث عنها سابقا .. لم أكن أعلم الكثير عن حياته الخاصة .. لكنه أكد لي فقد قبل موته بساعات أنها ابنته "

رفعت سيليرا حاجبيها قليلًا ونظرت إلى والدها بعينين تضيقان شكًا

"أمر غريب حقًا... لطالما ظننت أن العم إيثان ليس لديه أي أطفال وفجأة تظهر فتاة من العدم وتدعي أنها ابنته "

لكن والدها قاطعها بحدة موجّهًا حديثه لها ولوالدتها

"الماضي قد انتهى وحتى لو كنا نعلم بوجودها مسبقًا فهذا لن يغير شيئًا .. علينا الاعتناء بها إلى أن تتحسن وتقرر العودة إلى مدينتها."

ساد الصمت لبرهة ثم أضاف بصوت أكثر حذرًا وعيناه تلمعان بقلق واضح

"رحيل إيثان المفاجئ بتلك الطريقة كان غاية في الغرابة... بل مريبًا للغاية .. يجب أن نكون حذرين هذه الفترة .. قد تكون إيرما في خطر أيضًا بل ليس هي وحدها... كل فرد في هذا القصر الآن تحت الخطر "

ساد الصمت أرجاء القاعة وتبادل الحاضرون النظرات القلقة كانت هناك أسئلة كثيرة بلا إجابات لم يفهم أحد بعد سبب ما حدث ولماذا حدث.

الشرطة لم تتوصل إلى الفاعل ولم تعرف دوافعه بعد. لكن الأهم من ذلك كله... أن إيرما لم يتم استجوابها بعد .. هي الوحيدة التي ربما عرفت ما جرى في تلك الليلة المشؤومة.

......................................................................

في غرفتها جلست إيرما على السرير تحدق في الفراغ بشرود تام كانت لا تزال تحاول استيعاب كل ما حدث معها وكلما أعادت ترتيب الأحداث في ذهنها زاد الأمر استحالة.

كيف يمكنها استيعاب كل هذا العثور على والدها بعد سنين طويلة الرحلة الشاقة للوصول إليه انتظارها أن يتعرف عليها ثم... مقتله أمام عينيها.

وضعت يدها على رأسها تغمض عينيها بقوة محاولة إبعاد الصور التي تتراقص في عقلها .. كانت تشعر وكأنها حصلت على النصيب الأكبر من التعاسة وكل يوم يمر كان يؤكد لها ذلك أكثر.

كيف لا و هي قد عاشت حياتها مع والدتها تصارع للبقاء في أوضاع شبه مأساوية لتكتشف لاحقًا وبالصدفة أن والدها لم يكن سوى أشهر معالج نفسي في ألمانيا وعندما تمكنت أخيرًا من الوصول إليه انتُزع منها في لحظة قاسية وكادت تفقد حياتها معه أيضًا.

لقد قطعت مسافة طويلة فقط لرؤيته آملة في الحصول على ذكرى جميلة لأول لقاء يجمعهما لكنها لم تحصل سوى على ذكرى كارثية ملأتها بالندم لتلوم نفسها مرارًا على ترك والدتها والقدوم إلى مكان لم تشعر يومًا بالانتماء إليه.

أمسكت هاتفها تنظر إلى الرسائل التي أرسلتها والدتها فقد كانت تراسلها كثيرًا للاطمئنان عليها بعد أن علمت بكل ما جرى.

كانت تحثها على العودة إلى مدينتها لكن إيرما رفضت .. لن تستطع العودة .. ليس الآن. ليس بعد أن سرقت منها أجمل أحلامها .. أقل ما يمكنها فعله الآن هو العثور على إجابة لسؤالها الوحيد... لماذا

بينما كانت تكتب ردها على رسالة والدتها سمعت صوت نقرات خفيفة على باب غرفتها رفعت رأسها ونظرت باتجاه الباب قبل أن تقول

"يمكنك الدخول "

فتح الباب بهدوء لتظهر من خلفه سيليرا وهي تحمل كأسًا من العصير .. تقدمت نحوها بخطوات هادئة حين بصوت ناعم

"ربما لا ترغبين بتناول العشاء وأنا أحترم رغبتك لكن عليك شرب هذا ليساعدك على التعافي بشكل أسرع"

تناولت إيرما الكوب منها ووضعته جانبًا ثم أشارت لسيليرا بالجلوس حينها تقدمت الأخيرة وجلست على الكرسي المقابل للسرير ليخيم عليهما صمت طويل.

قطعت سيليرا هذا الصمت بصوت دافئ حين قالت

"أعلم أن كل شيء جديد ومختلف تمامًا بالنسبة لك... لكن لا تقلقي ستعتادين على الأمر قريبًا .. وأنا هنا بجانبك دائمًا "

نظرت إليها إيرما بتمعن قبل أن تسأل بصوت هادئ لكنه حاد

"لماذا تفعلين هذا "

قطبت سيليرا حاجبيها باستغراب لتكمل إيرما

"لماذا تبوحين بعكس ما تخفين "

"ماذا تعنين"

نهضت إيرما من مكانها وسارت نحو النافذة التي تطل على الظلام الممتد أمامها قبل أن تقول بنبرة خافتة

"قرأت في إحدى كتب والدي عبارة تقول... حين تعتقد أنهم أصدقاؤك فهذا لا يعني دائمًا أنك صديقهم"

وقفت سيليرا فورًا وقالت بنبرة حادة بعض الشيء

"هل تقصدين أنني أجاملك ولا أريد صداقتك "

"لا ربما العكس "

ساد الصمت بينهما نظرت إيرما نحوها عندما سمعت صوتها مجددًا

"لست مضطرة لاعتباري صديقة أنت لست مجبرة على ذلك .. لكن لا يحق لك أن تقرري شيئًا عني "

توقفت للحظة ثم أكملت بنبرة أكثر قوة وعينيها الزرقاوين تتوهجان تحديًا

"ما أشعر به .. ما أريده .. وما أفكر به... جميعها أمور تخصني وحدي وأنتِ لا يحق لكِ أن تتحدثي بها بالنيابة عني."

أنهت كلامها ثم استدارت وخرجت من الغرفة مغلقة الباب خلفها بحدة بينما بقيت إيرما في مكانها تشعر بثقل المشاعر المتضاربة داخلها.

كانت تعلم أنها أساءت التصرف ربما تسرعت في الحكم على سيليرا وربما بالغت في حدة كلماتها.

لكن الحقيقة التي لم تستطع إنكارها... أنها كانت غارقة في الخوف والتوتر .. كان كل شيء ينهار من حولها ولم تعد تملك القوة لمواجهة المزيد.

جلست على السرير وأطلقت العنان لدموعها التي تجمعت طويلًا تبكي بحرقة على كل ما حدث ويحدث معها.

دفنت وجهها في الوسادة متمنية أن ينتهي كل شيء الآن... أن تتخلص من هذا العبء الذي أثقل روحها.

وحين رفعت رأسها خطرت لها فكرة واحدة... هل حان الوقت لكي تفتح الباب الآن وتهرب تهرب بعيدًا... ربما بعيدًا عن هذا العالم كله

......................................................................

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رصاص الوهم

المؤلف BRATVA
2025/09/08 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة