إنقشِاعُ القدرٓ

إنقشِاعُ القدرٓ

17 0

قدر واحد يستطيع أن يغير مجرى حياة أنستازيا بالكامل.

دائمًا نحاول أن نتقبل ما نحن عليه،

لكن هل سنستطيع أن نتقبل ما سنصبح عليه لاحقًا؟

هل سيكون الطريق الجديد سهلاً، أم أصعب مما نتوقع؟

نبضات قلب تتسارع في عمق الحلبة

هل سيكون هذا هو موعد الفوز، أم الخسارة؟

همسات تنتقل من فم إلى آخر عن الحارسة الجديدة...

لكن هل ستكون أنستازيا؟ أم غيرها؟

أضلاع تتكسر وقلوب تجف من الصدمة...

لكن، أي صدمة ستكون الأقوى؟

دوم!

دوم!

دوم!

ها قد. بدأنا

الطبول تقرع معلنة بداية اللعنة

لعنة العرش !

(""""""""""""")

إكمال أحداث الفصل القديم:

دون أن تنتظر إذنًا أو تتردد، قادتها أنستازيا من الجهة الخلفية للخيمة، ودفعت الستار القماشي لتدخل وتصرخ:

"أيتها القائدة كِيت؟!"

تلفّتت أنستازيا داخل الخيمة، عبوس طفيف يرتسم على وجهها، وكأنها لم تجد من تبحث عنه.

أما إيميلي، فكانت في قمة الدهشة، نظرت إلى أنستازيا وقالت بذهول:

"كيف تعرفين القائدة كيت، أيتها المخبولة؟!"

أنستازيا اكتفت بنظرة غامضة نحوها وقالت بابتسامة جانبية:

"ليس كل شيء كما يبدو، إيميلي..."

قالت إيميلي وهي تتلفّت حولها داخل الخيمة بنظرات قلقة:

"لم أفهم... ماذا تعنين؟"

لكن قبل أن تجيبها أنستازيا، قُطع حديثها بصوت نسائي قوي، مهيب، تبعه دخول حاسم من باب الخيمة:

"أنستازيا... رفيقتي الودودة."

التفتت إيميلي بصدمة، لترى امرأة ترتدي درع الحراس الملكيّين، وقفت بكامل هيبتها. ملامحها قاسية، وجادّة، لكن نبرتها مع أنستازيا حملت شيئًا مختلفًا... شيء من الدفء والعلاقة القديمة.

كانت تلك هي القائدة كيت.

نظرت كيت إلى الفتاتين، وابتسامة خفيفة تخللت جديّتها، ثم قالت وهي تضع يدها على سيفها المعلّق بدقة على خصرها:

"تفضّلا بالجلوس... آسفة على التأخير. كنتُ أرتّب تفاصيل مسابقة تعيين الحراس الملكيين."

وقبل أن تجلس، وبسرعة خاطفة أدهشت حتى إيميلي، تحرّكت كيت لتصبح واقفة بجانبها تماماً.

"واااه!" صاحت إيميلي وهي تتراجع بخوف، وقد ارتبك وجهها للحظة.

ضحكت كيت بخفة، ثم التفتت إلى أنستازيا وقالت:

"أهذه هي صديقتك التي كنتِ تتحدثين عنها دومًا؟"

ضحكت أنستازيا وغمزت لإيميلي التي ما زالت متيبّسة:

"نعم، لكنها لا تصدّق أنني أعرف القائدة الأعلى للحرس والجيش الدموي هه ."

جلست كيت خلف الطاولة، وسرعان ما بدأت توقّع بعض الأوراق الثقيلة الممهورة بختم المملكة. كانت حركاتها دقيقة، كما لو أنها أدّت هذا الدور آلاف المرات.

جلست أنستازيا إلى جانب الطاولة، وإيميلي بجوارها، ما زالت عيناها تدوران في الخيمة وكأنها غير مصدقة أنها هنا.

قالت أنستازيا، وهي تسند ذراعها على الطاولة وتتنهد:

"هممم... كيت، لا أعلم لماذا أبي لا يريدني أن أشارك في مسابقة الحراس الملكيين... لا أفهم ما الذي يحدث له في الفترة الأخيرة."

ردّت كيت، دون أن ترفع عينيها عن الأوراق التي توقعها، بصوت هادئ وواثق:

"وهل هذا ما يقلقك؟ هو يعلم... يعلم أن هذا حلمك منذ أن كنتِ صغيرة، ويعلم أيضاً أنك أعند فتاة رأتها المملكة."

ثم رفعت نظرها أخيرًا إلى أنستازيا، وابتسمت بثقة:

"لا تقلقي، شاركي. أنا أؤمن بقدراتك، أنستازيا. وربما... أكثر مما تتوقعين."

قالت إيميلي وهي تنظر إلى كيت وأنستازيا بنظرة جانبية، حاجبها مرفوع ونصف ابتسامة ترتسم على شفتيها - النظرة التي لا تخطئها أنستازيا، تلك النظرة التي تقول بوضوح:

"آهآاا... هناك شيئ لا اعرفه!"

"علاقتكما قوية جدًا، أليس كذلك؟" قالتها بنبرة خفيفة ممزوجة بالفضول والاتهام الخفي، ثم التفتت مباشرة إلى أنستازيا، وضربت قدمها بالأرض بخفة:

"أخبروني كيف تعرفان بعضكما؟! سأجن إن لم أعلم!"

نظرت أنستازيا إلى كيت... ثم إلى إيميلي... وفكرت للحظة:

هل حان الوقت لتكشف قليلاً من الماضي؟ أم تبقيه سراً كما اتفقت مع كيت ذات يوم؟

نظرت كيت إلى أنستازيا بعينين دافئتين، ثم مدت يدها نحوها بلطف، وكأنها تقول: "دعيني أنا أتكلم."

ثم التفتت إلى إيميلي وقالت بابتسامة خفيفة:

"حسناً... إن كنتِ مصرّة على معرفة القصة."

جلسَت كيت صغه بتأنٍ، ثم شبكت يديها على الطاولة، كأنها ستروي حكاية من كتب التاريخ.

"عندما التقيتُ بأنستازيا لأول مرة... كانت في العاشرة فقط. لكنها، وأقسم بهذا السيف، كانت بقوة عشرة رجال!"

ضحكت بخفة ثم تابعت:

"أوه، ربما أبالغ قليلًا... لكن صدقيني، كانت أقوى من معظم من يدخلون صفوف التدريب في هذا المعسكر."

جلست إيميلي بتركيز تام، وقد اختفى المزاح من وجهها، لتحل محله دهشة حقيقية.

أكملت كيت، وهي تسترجع الذكرى بعينين لامعتين:

"في إحدى المرات، كنا نطارد مجموعة من سارقي المجوهرات كانو يهربون في أرجاء المملكة . وبينما كنا نبحث عنهم... بالصدفة، كانت أنستازيا تلعب بسيفها الخشبي وتتجول في الطرقات، كعادتها وهي تظن نفسها بطلة خارقة."

ابتسمت كيت بشيء من الدفء ثم تابعت:

"لكن المفاجأة... أنها لم تهرب حين رأت السارقين. وقفت في وسط الساحة، رفعت سيفها بكل جرأة أمام رجال تكبرها بثلاثة أضعاف."

ضحكت إيميلي بذهول، أما كيت فأكملت بنبرة مليئة بالفخر:

"عندما وصلنا نحن الحراس، كان السارقون يضحكون عليها، لكنني رأيت ما لم يروه... نظرة العزم في عينيها. وبعد لحظات، سمعنا صرخة أحدهم. أنستازيا وجّهت له ضربة قوية على ساقه جعلته يترنّح، أما الآخر فأمسكنا به قبل أن يفرّ."

صمتت للحظة ثم قالت بنبرة أكثر هدوءاً:

"في ذلك اليوم... شكرتها من كل قلبي. وبعدها، جاءت إلي بكل براءة وقالت لي:

أريد أن أصبح حارسة ملكية، وتكونين صديقتي.

ولم أستطع الرفض... كنت أشعر، بل متأكدة، أنها ستصبح شيئًا عظيمًا في هذا العالم."

انفجرت إيميلي من الضحك، ووضعت يدها على فمها وهي تقهقه بلا توقف:

"يا إلهي! أريد أن أرى منظرك وأنتِ تمسكين سيفًا خشبيًا! يا رباه... هههه!"

مسحت دموع الضحك من عينيها وأكملت وهي تبتسم لأنستازيا وكيت:

"لكن... لا عجب أن تكون علاقتكما قوية هكذا."

ابتسمت كيت بهدوء، ثم التفتت إلى أنستازيا وقالت بنبرة رسمية لكن بنعومة صديقة:

"غداً تبدأ مسابقة الحراس الملكيين. عليكِ أن تكوني هناك يا أنستازيا. لا تتأخري."

ثم قامت من مقعدها، ورتبت بعض الأوراق على الطاولة قبل أن تضيف:

"اعذراني، لديّ بعض الأعمال الآن."

وغادرت الخيمة بخطوات واثقة.

بدورهما، قامت أنستازيا وإيميلي، وخرجتا من الخيمة من حيث دخلتا. كان الهواء في الخارج عليلاً، والشمس تغازل رؤوس الخيام.

خلال طريق العودة، التفتت إيميلي إلى أنستازيا وقالت بنبرة تمزج بين العتب والمفاجأة:

"كل هذا حدث بعد انتقالي بسبع سنوات؟ لا أصدق! لمَ لم تخبريني بكل هذا في رسائلك؟!"

نظرت أنستازيا إلى إميلي بنظرة تمزج بين السخرية والمكر وقالت وهي ترفع حاجباً:

"كنتُ فقط... أُبقي بعض الأحداث مفاجأة لكِ، ألا يمكن؟"

ضحكت إميلي وهزّت رأسها بيأس مصطنع، ثم مدت يدها في جيب فستانها وقالت بحماس مفاجئ:

"تعالي! أريد أن أشتري شيئاً."

سارت الفتاتان عبر شوارع سوق البشر، أصوات الباعة تملأ الأرجاء، تنادي على السلع وتروج للبضائع، والناس تتحرك في كل اتجاه، يشترون ويبيعون... سوق ينبض بالحياة.

أمسكت إميلي بيد أنستازيا وسحبتها فجأة نحو أحد الأقسام الممتلئة بالقماش والملابس، ثم التفتت إليها وقالت بعينين تلمعان بالحماس:

"بما أنني أحب الخياطة... سأشتري القماش وأخيط لك أجمل بدلة تدخلين بها المسابقة، ما رأيك؟"

نظرت أنستازيا ل إميلي بعينين غمرتهما حنية دافئة...

ابتسمت بخفة، وكأنها تحمل في قلبها امتناناً لا يمكن للكلمات أن تصفه، وقالت بصوت خافت لكنه صادق:

"شكراً..."

لحظة قصيرة مرّت بينهما، لكنها بدت وكأنها تعيد مشهداً قديماً، مشهداً مح وفوراً في ذاكرة شخصين يشبهانهما كثيراً......

زيوس وروك....الصديقان الوفيان اللذان فرقتهما الحياة من موت إلى إختفاء.....

ضحكت إميلي وضربت كتف أنستازيا بخفة كمزحة، قبل أن تبدأ بالدوران بين طاولات القماش داخل السوق، تتنقل بخفة يميناً ويساراً، تقيس لونًا، وتتحسس نسيجًا، وتضم بعض القطع وهي تقول بفخر:

"هذا سيليق بكِ تمامًا... لا لا، هذا أجمل، أوه! وهذا رائع لحزام البدلة!"

كانت كأنها فراشة ترفرف بين الألوان، وابتسامة أنستازيا تزداد كلما نظرت إليها.

بعد أن انتهت جولتهما، خرجتا من السوق، والشمس بدأت تميل نحو الغروب.

أنستازيا كانت تحمل عدّة أكياس، لكن وجهها بدا كمن يحمل جبلاً من الأثقال.

"أرجوووك!" قالت بأنفاس متقطعة وهي تتأوه:

"ما الذي اشتريته بحق الإله؟! سأموووت من هذا الحمل! أيتها المخبولة... هل كنتِ تخططين لكسوة المملكة كلها؟!"

انفجرت إميلي من الضحك وقالت:

"كوني ممتنة، على الأقل لن تدخلي المسابقة ببدلة قروية!"

ضحكت أنستازيا، وهزّت رأسها بيأس، لكن قلبها كان ممتلئًا... ليست فقط بالأكياس، بل بالمحبة.

بعد أن أوصلت أنستازيا إميلي إلى بيتها، التفتت إليها وهي تُحكم قبضتها على الأكياس وقالت بشكّ:

"متأكدة أن البدلة ستكون جاهزة صباح الغد؟"

ابتسمت إميلي بثقة ورفعت حاجباً بتحدٍ: "نعم! اعتمدي عليّ، أنا خياطة ماهرة، وسأبقى طوال الليل أُصمّمها خصيصاً لكِ!"

ضحكت أنستازيا وقالت: "حسناً... بالتوفيق أيتها المجنونة."

ودّعتها، ثم عادت إلى منزلها. فتحت الباب ودخلت وهي تنادي:

"أبي... أبي؟! أين أنت؟"

خرج كايل من الحمّام، يجفف يديه بالمنشفة، وقال بنبرة فيها بعض القلق:

"أين كنتِ كل هذا الوقت؟ قلقتُ عليكِ."

ردّت أنستازيا وهي تخلع سترتها الرسمية وتظهر ملابسها القطنية المريحة:

"كنت مع إميلي نشتري القماش... ستصنع لي البدلة من أجل المسابقة."

ظهرت علامات الغضب على وجه كايل، لكنه كبته بخفة وقال بصوت منخفض:

"تعالي إلى غرفتك، لديّ شيء لكِ."

نظرت إليه بريبة وصعدت للطابق العلوي، دخلت غرفتها ببطء...

وفجأة، بصفقة سريعة، أقفل الباب خلفها، ثم دوّى صوته غاضباً:

"لن تذهبي إلى المسابقة."

التفتت أنستازيا بعيون مشتعلة وقالت بعناد:

"ومن أنتَ لتمنعني؟!"

أسرعت نحو الباب تحاول فتحه، تعبث بالمقبض، تصرخ، تضربه، لكن لا جدوى... الباب لا يفتح.

تنهّدت بعمق وجلست على الأرض، تستند إلى الباب وتنزلق تدريجياً... حتى باتت جالسة، تنظر أمامها بشرود.

عيناها تلمعان من القهر، وقلبها يغلي من الرفض.

صمتٌ ثقيل ملأ الغرفة... وصوت خطوات كايل وهو يبتعد، كان كافياً ليشعل فيها نارًا لا تنطفئ.خ

مرت دقائق كأنها ساعات بالنسبة لأنستازيا ....

ثم قالت أنستازيا بصوت مبحوح، والحزن يملأ ليس فقط قلبها، بل عينيها أيضاً، وهي تحدّق في الطاولة الصغيرة بجانب سريرها الخشبي:

"لو أمدُّ يدي... هكذا،

هل تتحرّك المزهرية كما كانت تفعل حين كنتُ صغيرة؟"

مدّت يدها بتردد نحو المزهرية...

كأنها تختبر شيئاً غاب عنها، أو كأنها تبحث عن ذرة من نفسها القديمة، عن الطفلة التي كانت تملك أملاً... أو سحراً... أو شيء يشبهه.

لكن المزهرية بقيت ساكنة.

صمتٌ ثقيل خيّم على المكان، وارتدّ صوت قلبها الخائب في جدران الغرفة الضيقة.

الأمل في عينيها يضعف شيئاً فشيئاً...

لكن...

وقبل أن تنزل يدها مستسلمة...

اهتزّت المزهرية.

ارتجفت قليلاً... ثم انزلقت للأمام، بصوت خافت يكاد لا يُسمع، لكن في قلب أنستازيا كان كأنه زلزال.

توسّعت عيناها، وضعت كلتا يديها على الأرض، وكأنها بحاجة لشيء يُثبّتها، لاستيعاب ما رأته للتو...

هذا لم يكن وهماً، لم يكن خيالاً... كان قوة. قوتها.

همست وهي ترتجف: "إذاً... لم أكن أتوهم... كما قال أبي..."

نهضت أنستازيا من الأرض، وشيء جديد يُولد داخلها، كأن الظل صار له شكل، والحلم صار له نبض.

وقفت بثبات، نظرت إلى الغرفة بنظرة جديدة تماماً، نظرة من تذكّر من يكون... وقالت بصوت منخفض، لكنه حادّ مثل السيف:

"لقد بدأت اللعبة."

بدأت أنستازيا تلفّ وتدور في أرجاء الغرفة، خطواتها سريعة، تائهة، تبحث عن أي خيط، أي طريقة... عليها الخروج!

هذه المسابقة... لن تضيعها أبداً!

الوقت يمرّ، والأفكار تتزاحم في رأسها:

«السيف في الطابق السفلي... الباب مقفل... ماذا أفعل؟!!»

جلست على سريرها بعصبية، وضعت يديها على رأسها، تفرك شعرها بشدّة وكأنها تحاول إخراج الحل من بين خصلاته.

صرخت بداخلها: "أووووه! ليس هناك حل... السيف في الطابق السفلي، والباب مغلق، و-"

وقبل أن تكمل، توقّفت...

شيء ما شدّ نظرها إلى الأعلى...

النافذة الصغيرة في سقف الغرفة. نافذة قديمة، بالكاد تُرى، كانت دائماً تُستخدم للصعود إلى السطح فقط.

لكن هذه المرة... لم تكن نافذة عادية.

أضاء الأمل في عينيها، وابتسمت ابتسامة خفيفة، مليئة بالجنون الجميل: "إذاً... كان لهذه الخردة فائدة بعد كل شيء...

الهروب، طبعاً."

ثم بدأت أنستازيا تجمع بعض الأغراض، تسحب صندوقاً خشبياً قديماً، وتضع فوقه الطاولة الصغيرة تحت النافذة.

كان بعضها ثقيلاً، لكنها لم تتردد...

العناد كان يمدّها بالقوّة.

وقفت فوق الطاولة بخفة، ووضعت يديها على النافذة القديمة.

أخذت نفساً عميقاً...

ثم بدأت تحاول فتحها.

مرة... مرتان... عشر!

لكن النافذة رفضت الانصياع.

توقف أنفاسها، ووجهها امتلأ بالغضب.

استدارت نحو باب الغرفة وحدّقت فيه بعينين تشتعلان: "تـتـت... تبا لك... ما بالك يا أبي؟!!

لِمَ الآن قررت أن تمنعني من حلمي؟!"

تنهّدت، وهي تلعن الباب المغلق، وكأنّه جدار سجن من فولاذ.

نظرت حولها، عيناها تبحثان بجنون عن شيء-أي شيء-يفتح هذه الخردة اللعينة!

وفجأة...

ثبتت نظراتها على الخنجر الصغير المعلّق على الجدار.

خنجر قديم، هدية أعطاها لها كايل يوماً ما...

لم يكن أكثر من ذكرى... حتى هذه اللحظة.

ابتسمت ابتسامة ماكرة وهمست: "خنجر صغير... لكن سيفتح لي الباب الكبير."

أخذت أنستازيا نفساً عميقاً.

مدّت إصبعها نحو الخنجر، وعينيها لا ترمش، تركّز بكل ما فيها من أمل ويأس مختلطين.

هل سيتحرك كما فعلت المزهرية؟

مرت ثوانٍ ثقيلة...

كأن جبالاً من الترقّب شُيّدت فوق كتفيها.

لكن هذه المرة... كانت ثقتها مختلفة.

لا مجال للتراجع.

اهتزّ الخنجر في مكانه.

ارتفع قليلاً، مجرد سنتمترات، لكن كانت كفيلة بأن ترسم الارتياح على وجه أنستازيا.

نظرة خفيفة من الدهشة، ممزوجة بالفخر، تسللت إلى عينيها الرماديتين.

"إذاً... السحر لم يمت داخلي."

همست لنفسها.

الخنجر الآن... يرتفع أكثر.

يتحرّك ببطء في الهواء نحوها، كأنّ قوة خفيّة ترفعه نيابة عنها، تدفعه بكل عناية، كما لو أنه يعرف طريقه جيداً.

تمد أنستازيا يدها نحو الخنجر الطائر.

ابتسامة عريضة ترتسم على شفتيها، وفي عينيها لمعة انتصار.

"أمسكتك أيها الصغير..."

همست كأنها تصادق قطعة من مصيرها.

نظرت إلى النافذة الصغيرة، ثم أمسكت الخنجر بإحكام.

تفكّه من غمده الجلدي الفاخر، تلمع نصلته مع خيوط الضوء المتسللة من السقف، كأنها تشهد على بداية تمرّد جديد.

وضعت طرف الخنجر على حافة النافذة.

بدأت بتحريكه يميناً ويساراً، ببطء لكن بحزم.

كل ضغطة، كل حركة، كان فيها شيء من القلق والتوتر...

تحاول الحفاظ على توازنها على الطاولة، ورجلاها تتحركان لا إرادياً مع كل جرّة خفيفة للخنجر.

خشب النافذة بدأ يستسلم.

الهواء يهمس.

وأنستازيا... ما زالت تقاتل، بهدوء وعناد.

وأخيراً...

انفتحت النافذة بعد عناءٍ طويل.

تسلّل هواء الليل البارد، يلفحُ وجه أنستازيا ، وسَطَعَ ضوء القمر الخفيف،ينسكب في أرجاء الغرفة، كأنه يكافئها على إصرارها.

وضعت يديها على الحافة، تدفع جسدها بكل ما أوتيت من قوة.

أنفاسها سريعة، لكنها لا تتوقف...

وبحركةٍ خاطفة، خرجت عبر النافذة، وجلست فوق السطح.

تتنهد بارتياح، تمسح العرق عن جبهتها، وتغلق عينيها لثانية قصيرة.

لكن فجأة، فتحت عينيها ونظرت مجددًا إلى داخل الغرفة...

"واااو، كم أنا غبية!"

قالتها بنبرة فيها من السخرية أكثر مما فيها من الندم،

"سيفي الأصلي... في الطابق السفلي."

ثم جلست أنستازيا على حافة السطح الخشبي، تنظر للأسفل حيث القش يتوهّج بنور القمر وكأنه يناديها... "تعالي، أنا مخرجك."

وضعت يدها على قلبها، نبضاتها تتسابق، لكنها لا تملك خياراً آخر.

أخذت نفساً عميقاً... ثم همست:

"ثقي بنفسك، كما فعلت المزهرية... وكما فعل الخنجر..."

قفزت.

لحظة قصيرة، لكنها بدت كأنها دهر، الريح تعصف بشعرها، عيناها مفتوحتان على اتساعهما، وصوت القفز يخترق سكون الليل...

ثم-

بووووم!

ارتطم جسدها بالقش، تطايرت أطرافه في الهواء، لكن أنستازيا بقيت ثابتة.

شهقت، وضحكت بخفة وهي تنظر إلى السماء:

"لم أُكسر... نجحت!"

ثم تقف أنستازيا، تنفض القش الذي غطى ملابسها من أثر القفزة الشجاعة.

تتنفس بعمق، تتلفت حولها بحذر، وتمشي بخفة نحو نافذة المطبخ الصغيرة التي تُطل على الداخل.

هناك، على الطاولة...

سيفها يلمع بضوء القمر، كأنه يناديها همسًا: "تعالي... الآن فرصتك."

النافذة مفتوحة قليلاً...

تبلع أنستازيا ريقها، تدفع النافذة ببطء شديد... صوت خافت يصدر، لكنها لا تتوقف.

تدخل بخفة، كأن الهواء يرافق خطواتها كي لا تُسمع.

تمد يدها نحو السيف، تمسكه بقوة،

لكنها تتجمد في مكانها... لا ترتدي بدلتها الرسمية، فأين تضعه؟

تمسكه بيدها فقط، ليس هناك وقت للتفكير، التردد قاتل.

تلتفت إلى النافذة، تستعد للهرب من جديد.

لكن...

طق!

السيف يرتطم بكأس زجاجي موضوع على حافة الطاولة، فيسقط الكأس على الأرض ويتحطم بصوتٍ كسر هدوء الليل كله.

آخر شيء تمنّت أنستازيا أن يحدث...

حدث.

تنظر أنستازيا إلى قطع الزجاج المتناثرة على الأرض، قلبها يكاد يتوقف من الرعب.

السكوت... ثم فجأة:

صرير بابٍ يُفتح ببطء، يعلن خروج أحدهم من الغرفة.

إنه كايل.

يحمل شمعة بيده، عيونه نصف مغمضة من النعاس، يتقدم بخطوات ثقيلة نحو المطبخ.

يمد الشمعة أمامه، يهمس بصوت مبحوح من النوم:

"آه... ما هذه الجلبة؟"

عيناه تتفحص المكان، الضوء يرتجف وهو يهتز مع حركة الشمعة، لكن...

لكن... لا شيء، المطبخ على حاله... أو هكذا يبدو.

يعود كايل إلى غرفته بخطوات مثقلة من أثر النعاس.

في هذه الأثناء، كانت أنستازيا متمسكة بعروق السقف الخشبية، تتشبث بها كأنها تتشبث بحياتها. عيناها تراقبان كايل بتوتر، تنتظر لحظة دخوله إلى الغرفة بفارغ الصبر.

كليك... يُغلق الباب.

تتنفس الصعداء، وتهمس: "أخيراً..."

تنزل أنستازيا ببطء، تقف على الطاولة بخفة، وتزحف نحو النافذة المفتوحة...

قبل أن تهرب، تلقي نظرة أخيرة على الزجاج المتناثر خلفها، ثم تختفي في ظلمة الليل.

بعد أن تركت منزلها بكل فخر، متحدّية كايل، شعرت أنستازيا بشيء لم تعهده من قبل...

أهو فخر؟ أم ألم؟ هل ما فعلته صحيح؟ أم كان خطأ لا يُغتفر؟

هل سيفتخر بها كايل، أم سيمحوها من حياته؟

ركضت في ظلام الليل البارد، تركض معها الأسئلة كأنها أطياف تطاردها...

وحده ضوء القمر الكامل كان يرشد طريقها.

وصلت أخيرًا إلى بيت صغير، يختبئ بين بيوت متشابهة.

دارت خلفه، وقفت أمام نافذة ضيقة تغطيها ستائر قديمة.

التقطت حجرًا من الأرض، وطرقت به زجاج النافذة بخفة، ثم همست بصوت مبحوح:

"إيميلي... إيميلي! افتحي النافذة! أجيبي وإلا كسرتها... ها؟!"

ثم تمسك أنستازيا حجرًا متوسط الحجم من الأرض، تنظر إليه بضحكة شريرة، تمد يدها لتقذفه على النافذة...

لكن قبل أن ترميه، تُفتح النافذة فجأة.

تظهر إيميلي، وعيناها مليئتان بالنعاس، وعلى رقبتها شريط قياس، وفستانها مليء بالإبر والخيوط.

"ممم... ما الذي جاء بكِ في هذا الوقت المتأخر؟! ما الأمر العاجل الآن؟"

ترد أنستازيا وهي تسقط الحجر على الأرض وتتنهد:

"قولي حمدًا لله أنه لم يصبك الحجر... آه، وسأمكث عندكِ هذه الليلة."

تنظر إيميلي إليها بصدمة، تفرك عينيها غير مصدّقة ما تسمعه.

تريد الرد، لكن أنستازيا تقاطعها بسرعة وتقول:

"هربت من المنزل. سأشرح لكِ لاحقًا، أما الآن، ألا تقولين لي: تفضلي.

، أيتها الوقحة، يا إلهي؟"

تنظر إيميلي إليها بتجهّم واضح، وتحاول أن تخفي ارتباكها... كأنها تريد أن تصرخ:

"لِماذااااا أنااااااا؟!"

ثم تأخذ إيميلي نفسًا عميقًا، وتزفره بهدوء، قبل أن تقول بتعب:

"آه... اذهبي من الباب الرئيسي، سأفتح لكِ."

ترد أنستازيا بفخر ومزاح، وهي تضع يدها على خاصرتها:

"لا، سأصعد من هنا!"

تستدير إيميلي ببطء، تنظر إلى أنستازيا بنظرة قاتلة، وتقول بتهديد واضح:

"من... الباب... الرئييييسي!!!"

تخفض أنستازيا نظرها وتثرثر كأنها توبّخ نفسها:

"حسناً، حسناً... يا إلهي، ما بكِ؟! مجرد مزحة..."

ثم تمشي أنستازيا ببطء نحو الباب الرئيسي، تجرّ وراءها كرامتها التي اختفت بسبب صراخ إيميلي وتهديداتها.

لكنها تعلم تمامًا لماذا فعلت إيميلي ذلك...

وقفت أمام الباب، تأخذ نفساً عميقاً لتخفي خجلها، مدت يدها لتطرقه، لكنه فُتح قبل أن تفعل.

فتحت إيميلي الباب بخشونة وقالت بسخرية:

"أهلاً أهلاً... بمدمّرة المملكة! هل ستكسرين البيت كما في تلك المرّة؟!"

نظرت أنستازيا ببرود، وابتسمت ابتسامة خفيفة توحي بالانزعاج، ثم قالت:

"تعلّمت من تلك المرة... أعدك، لن أفعل شيئًا هذه الليلة."

ثم نظرت إيميلي إلى أنستازيا بنظرة متسائلة، تحمل بين طياتها المزاح والشك، وقالت:

"متأكدة؟!"

التفتت عينا أنستازيا يميناً ويساراً وكأنها تفكّر، ثم رفعت يدها تفرك بها رأسها وهي تتذكر تلك الليلة التي حدثت منذ سنوات...

عندما كانت هي وإيميلي في عمر العشر سنوات قبل أن تنتقل إميلي وتترك ذكريات البيت خلفها ،

وفي أحد الأيام، تهورت أنستازيا لأول مرة وخرجت ليلاً لتذهب إلى بيت صديقتها. كانت أول مغامرة ليلية تخوضها. مع أنها طفلة !

تتذكر كيف صعدت من النافذة لتكسرها عن طريق الخطأ، وكيف جلست على الطاولة في غرفة إيميلي الصغيرة، تلوّح بسيفها الخشبي وتلعب به، ثم كسرت علبة الخياطة، وعمّت الفوضى المكان... كانت ليلة كارثية بكل معنى الكلمة .

وفجأة تتذكر جملة إيميلي القديمة، التي جعلتها تضحك رغم الإحراج :

"إكسري شيئاً آخر وسأمزق أحد أعضائك!"

ضحكت أنستازيا، وضحكت إيميلي معها، وكأن الذكرى أعادت إليهما الطفلة التي ما زالت تسكن القلب.

ثم دخلت أنستازيا وإميلي، تصعدان الدرج بهدوء شديد، فلو علمت أم إميلي بزيارة أنستازيا للمنزل، لما سترحمهما من الأسئلة الفضولية.

همست إميلي وهي تنظر نحو أعلى الدرج الخشبي:

"خذي نفسًا عميقًا، والتصقي بالحائط... لنصعد بسرعة."

تطأ أقدام الفتاتين الأرض بخفةٍ وصمت، كأنهما ظلّان يتسللان في العتمة. تصلان أخيرًا إلى غرفة إيميلي، تفتح إميلي الباب بحذر، وتدعو أنستازيا للدخول بإشارة خفيفة.

تجلس أنستازيا على الكرسي الخشبي المقابل لشيء مغطّى بقماش رقيق ينسدل حتى الأرض، كأنه يخفي كنزًا ثمينًا... أو دمية نادرة.

تبتسم إيميلي بفخر، تضخخعخع يدها على خاصرتها، ثم ترفع الغطاء ببطء وتقول: "هاه؟ ما رأيك؟ هذه البدلة... ما زالت نموذجًا أوليًا، لكنها تقريبًا جاهزة."

تتسع عينا أنستازيا بدهشة وإعجاب، يتلألأ فيهما بريق حقيقي، كأنما وجدت قطعة من حلمها متجسدة أمامها.

البدلة فريدة، من جلد رمادي فاخر، يغمد السيف المصنوع من نفس اللون، والحذاء يدمج بين الأسود الداكن كلون شعر أنستازيا، وتفاصيل دقيقة بخطوط وزخارف تجعلها تبدو كما لو أنها صُنعت خصيصًا لها - لا تليق بغيرها، ولا يجرؤ أحد على تقليدها.

تتنهد أنستازيا بدهشة وتقول: "يا إلهي... كم هي رائعة. إيميلي، أرجوكِ أن تُنهيها بسرعة... لا أطيق الانتظار!"

تمسك إيميلي الغطاء بضحكة مشاكسة، وتلقيه على أنستازيا قائلة بسخرية: "اطويه جيّدًا يا حضرة الأميرة... أما أنا، فسأكمل خياطة البدلة."

ثم تضع الإبر برفق، وتتجه إلى آلة الخياطة، تجلس وتبدأ العمل بخفة أصابعها المعتادة. يسكن المكان هدوء غريب، يلفّ الصديقتين كستار خفي من التوتر الخفيف... كل منهما تريد أن تقول شيئًا، لكن الخوف من قول الشيء الخطأ يكمم شفاههما.

تترنح إيميلي قليلاً وتقول وهي منهمكة في الخياطة: "أنستازيا، أعطني علبة الخيوط السوداء، من فضلك."

ترمش أنستازيا بكسل، علامات الخمول مرسومة على ملامحها، وكأنها أنهكتها مغامرات الليل. تمد يدها بلا مبالاة... لكن علبة الخيوط لا تتحرك بسبب يدها، بل بسبب ومضة ضوء أحمر داكن خافت أنطلق من يدها ، يسحبها من الحافة ويمدّها برفق نحو إيميلي.

تبتسم إيميلي وتقول دون أن تنتبه في البداية: "أوه، شكرًا أنس... انتظري، لحظة!"

تتبدّل ملامحها في طرفة عين، وتلتفت نحو أنستازيا، عيناها تملؤهما الحيرة والدهشة.

تسألها بنبرة مترددة: "... كيف أعطيتِني العلبة؟"

تتشابك أصابع أنستازيا ببعضها وهي تحاول إخفاء ارتباكها، وترد ببرود تام : "وما المشكلة؟ كانت على الحافة، طبيعي أن أمد يدي وأعطيك إياها، أليس كذلك؟"

تقف إيميلي فجأة، يدها ترتعش قليلاً وهي تحرك الكرسي ليصدر صريرًا حادًا يشقّ صمت الغرفة. عيناها تتسعان بدهشة مشوبة بقلق، وتقول بصوت منخفض لكنه محمّل بالاستفهام والاتهام معًا:

"هل... عدتِ تستخدمين السحر مجددًا؟ ألم تقولي إنه اختفى بعد تلك الحادثة؟! لا أفهم... كيف؟ ولماذا الآن؟"

تشيح أنستازيا بنظرها نحو الأرض، ثم تمسح على ذراعها بتوتر. تنظر حولها كأنها تبحث عن مخرج للهروب من نظرات إيميلي، ثم تتنهد وتقول بنبرة حائرة:

"لا أعلم... حقًا لا أعلم. لكن يبدو أن السحر لم يختفِ تمامًا... وهذا... جيد."

ترفع رأسها فجأة وتتابع بنبرة أكثر حزمًا، كأنها تحاول إقناع نفسها قبل أن تقنع إيميلي:

"سأستخدمه... لأفوز بمسابقة الحراس غدًا. أريد دخول مكتبة القصر الملكي. هناك... هناك قد أجد إجابات عن كل شيء."

ثم ترتسم على شفتيها ابتسامة ملتوية، وتضحك ضحكة قصيرة فيها شيء من الإنكار، من التوتر، ومن التحدي.

"هه... ما بكِ؟"

تنظر إيميلي إلى أنستازيا بعينين متسعتين، نظرة تحمل كل الاحتمالات... وكأن طيف الموت نفسه مرّ بينهما.

تقول بصوت مرتجف:

"ستستخدمين السحر؟! أنتي قوية بما يكفي من دون ذلك! أقسم، إن رآك أحد غدًا... سنُهلك! دون مبالغة، أنتي أصلاً موضع شك من قبل مصّاصي الدماء..."

ثم تقف لحظة، تتردد، تبلع ريقها وكأن الكلمات تخنقها:

"ولا أحد يستخدم سحر الظلام... إلا قِلّة نادرة. إما سحرة القصر المتمكّنون وهم قلّة قليلة، أو..."

تنخفض نبرتها حتى تكاد تهمس:

"أو... مصّاصو الدماء من العائلة الملكية"

تنظر أنستازيا بانزعاج خفيف، ترفع إصبعها فتتحرك خصلات شعر إيميلي في الهواء، كما لو أن نسمة ليل عابثة تعبث بها.

تحاول كسر حدة التوتر، وتقول بنبرة مليئة بالسخرية:

"إلى ماذا تريدين أن تصلي؟ أنني مصاصة دماء؟!

أنظري إليّ جيدًا... هل ترين أنيابًا؟ هل أنا متعطشة للدماء؟"

ثم تضحك ضحكة قصيرة مرّة، وتميل بجسدها للأمام وكأنها تهمس باعتراف لا تريده أن يُسمع:

"تخيّلي فقط... لو كنتُ فعلاً مصاصة دماء، ألن يُغرس في قلبي سوى أشواك العار؟

هاه؟ ماذا عن العائلة الملكية؟ هل ترينني بينهم؟

لقد عشتُ حياتي على هذه الأرض كبشرية، دون أن أعرف حتى من أنا!

كأنني... طائر بوم ظهر من بين الظلال فجأة، ليعيش حياة لا تشبهه."

صمتٌ ثقيل خيّم على الغرفة، وكلام أنستازيا ظل يطنّ في أذنَي إميلي، يلف ويدور داخل رأسها بلا هوادة.

هل تكمل الحديث؟ أم أن ما قيل كان كافيًا ليُشعل نارًا لا تُطفأ؟

تأخذ نفسًا عميقًا، تنظر للأسفل وكأنها تبحث عن كلماتها في الأرض، ثم تهمس بخفوتٍ حزين:

'آسفة... ربما كان كلامي قاسيًا أكثر من اللازم.'

تلتفت نحو ماكينة الخياطة وتقول بصوتٍ خافت، وهي تحاول أن تستعيد تماسكها:

'سأكمل خياطة البدلة الآن...'

حركت إميلي الكرسي ببطء وأعادته إلى مكانه، وجلست عليه وعينيها مشغولتان بالتفكير والقلق. كانت يداها تخيطان البدلة، لكن عقلها كان مشوشًا ومتشتتًا. كانت تفكر:

"هل أنستازيا تصدقني؟ هل ما أقوله لمصلحتها؟ أم ربما لا..."

لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها كانت تطاردها: أنستازيا لا أحد يعرف حقيقتها. هل هي بشرية عادية؟ أم مصاصة دماء؟ السحر لا يستخدمه إلا أفراد العائلة الملكية، وإذا كانت حقاً مصاصة دماء، فماذا يعني ذلك؟

في هذه اللحظة، أطلقت أنستازيا تنهيدة طويلة، كأنّ جبالاً من الهموم قد أُلقيت على صدرها.

نظرت إليها إميلي بفضول وحذر، ثم سمعت صوتها تقول:

"لا داعي للاعتذار... أنتِ على حق في كل كلمة قلتها. كنت أحاول الهروب من هذه الأفكار والتساؤلات، لكن الآن... حان الوقت لأواجهها مهما كان الثمن."

ثم وقفت أنستازيا بخطوات مثقلة، وتوجهت إلى سرير إميلي الخشبي. استلقت ببطء، ووضعت يديها تحت رأسها، ونظرت بعيون مواربة إلى السقف، حيث النجوم المعلقة عليه ببعض الاهتراء. همست وهي شاردة:

"عليّ أن أتقبل ما أنا عليه، وما سأصبح عليه. أحيانًا يكون للكلام القاسي أثر إيجابي في حياتنا... لا عليكِ يا إميلي."

ثم تثاءبت أنستازيا معلنة نهاية حرب السهر، وفوز النوم بجدارة. أغمضت عينيها، تاركة إميلي تخيط البدلة وهي تغوص في أحلامها.

ويا ليتها لم تنم...

غاصت أنستازيا في حلمٍ غريب.

أغمضت عينيها لتفتحهما داخل القصر الملكي، واقفة أمام العرش الكبير.

تلتفت حولها بذهول، لا تصدق أين هي.

من بين الظلال، تخرج الملكة "كريستن"، تمسك بتاجٍ ملكي وتقول بصوتٍ رخيم:

"أنتِ..."

تنظر أنستازيا حولها فلا ترى أحدًا سواها، تضع أصبعها على صدرها، وتقول بخوف:

"أنا؟! ماذا فعلت؟! أقسم... لم أقتل أحداً!"

تقترب الملكة ببرود وتقول بجمود:

"عليك أن تحكمي المملكة الآن... لمَ كنتِ مختفية؟"

تتسع عينا أنستازيا من الصدمة:

"أ... أنا؟! لا! لا شكراً! لست مصاصة دماء... لا أريد!"

تشتد نظرات الملكة غضبًا وتصرخ، فيهتز القصر كله من صدى صوتها:

"لستِ مصاصة دماء؟!"

تلتفت أنستازيا، ترى خادمة تمسك مرآة ذهبية لامعة وتوجهها نحو وجهها...

تدمع عيناها.

ترى أنيابًا... ترى أذنيها وقد تغيّرتا...

تترنح ساقاها، تسقط على الأرض ببطء تجثو على ركبتيها...

تتقدم الملكة نحوها، تتحول أصابعها إلى مخالب حادة... تمد يدها نحو وجه أنستازيا لتخدشها-

وفجأة...

تفتح أنستازيا عينيها بفزع، تتنفس بسرعة، يداها ترتجفان.

تجد نفسها في غرفة إميلي، وصديقتها تمسك كوب ماء بيدها وتقول:

"أخيراً! كنتِ تبكين وأنتِ نائمة... رششت الماء عليكِ لتستيقظي. لقد أخفتني!"

هدأت أنستازيا قليلاً، وضعت يدها على صدرها وقالت بصوت خافت:

"لا عليكِ... مجرد كابوس مخيف."

حرّكت رأسها يميناً، تتفادى وقوف إميلي أمامها، لتقع عيناها على البدلة...

موضوعة بعناية على المِلكان الخشبي، وكأنها تنتظر لحظة ارتدائها.

حاولت أن تبتسم وقالت بهدوء:

"هل انتهيتِ؟"

ردت إميلي وهي تضع كأس الماء على الطاولة وتتثاءب بتعب:

"هاه... نمتِ بما فيه الكفاية، دوري الآن، سأموت من النعاس..."

ضحكت أنستازيا بخفة، نهضت من السرير تتمايل بخمول، واقتربت من البدلة، تلمّست قماشها، ثم قالت بحماس ناعم:

"هل يمكنني أن ألبسها؟ فقط لأجربها..."

رمَت إميلي بنفسها على السرير، وضعت رأسها على الوسادة القطنية وقالت بكسل شديد:

"نعم، نعم... ألبسيها، فقط دعيني أنام. أنظري، الساعة الخامسة الآن، ما زال لديك وقت طويل حتى الحادية عشر. أرجوك، أتركيني وشأني!"

ثم ردّت أنستازيا وهي تُنزِل البدلة عن العصا الخشبية،

نظرت نحوها بابتسامة خفيفة، وقالت دون أن تلتفت لإيميلي:

"تعلمين يا إيميلي... أنتِ فعلاً أفضل خياطة عرفتها،

وإذا أصبحت شيئاً مهماً في المستقبل، فأنتِ ستكونين..."

لكن قبل أن تُكمل، قطع صوتها شخير طفيف ونَفَس عميق...

استدارت أنستازيا ببطء، لترى إيميلي قد استسلمت للنوم، ملامحها ساكنة كأنها طفلة.

اقتربت منها بهدوء، التقطت اللحاف الصغير من طرف السرير،

تضعه عليها بلطف، ثم همست بخفوت:

"تصبحين على خير... أيتها المخبولة "

ثم اتجهت لتبدّل ملابسها، والهدوء يملأ الغرفة.

بعد أن ارتدت أنستازيا البدلة، تقدّمت بخطوات هادئة نحو المرآة الطويلة في زاوية الغرفة.

وقفت أمامها... تنظر بانبهار وانتصاب قامتها، وكأنها ترى شخصاً جديداً ينبض بالقوة.

البدلة كانت متقنة بشكل لا يُصدق، التفاصيل الصغيرة فيها بدت كأنها نسجت بأنامل لا تنتمي لبشر...

مرّرت يدها على القماش الرمادي الفاخر، ثم أمسكت سيفها برفق، وأدخلته في الغمد المنسوج بعناية.

همست بدهشة:

"إنه... نفس المقاس تماماً. واو..."

نظرت إلى انعكاسها مجدداً، فرأت ملامحها تلمع بشيء جديد:

ليست مجرد مقاتلة... بل حارسة قادمة من بين الظلال لتكتب بداية مختلفة تماماً.

"بدايةٌ قد ترضي الجميع... لكن نهايتها؟ لن تُرضي أحداً."

في قلب هذا المصير المجهول، تبقى الأسئلة معلقة:

هل ستنجو أنستازيا وسط دهاليز القصر العملاق، أم أنها تحب الغرق في المجهول أكثر مما تحب النجاة؟

بعيداً عن التفكير، أمضت أنستازيا أكثر من أربع ساعات متواصلة تتدرب بالسيف.

يداها متعرقتان، وقبضتها لا تزال متمسكة بمقبض السيف كأنها تتمسك بحياتها نفسها.

نظرت إلى نصل السيف، تفحصته بتساؤل وهمست بخفوت:

"أتساءل... لأي مرحلة وصلت؟"

ثم صمتت قليلاً، لتبتسم وكأنها تذكّرت شيئاً سخيفاً:

"هاه، من أضحك؟ قضيت سنوات أقاتل وحوش الظلام في الغابة...

إن كان مستواي القتالي فوق الأربعين، سأثير الشكوك لا محالة."

ثم تتنهّد أنستازيا تنهيدة طويلة، كأنها تفرغ بها كل تعب الساعات الماضية، وتدير رأسها ببطء نحو الساعة المعلقة على الحائط.

"الساعة... التاسعة!"

قالتها بدهشة خفيفة، ثم أردفت:

"عليّ الذهاب إلى الحلبة... من أجل التحضيرات الأخيرة قبل بدء المسابقة."

نفضت العرق عن جبينها، وأعادت تثبيت سيفها في الغمد، ثم أخذت نفسًا عميقًا.

خطواتها أصبحت أكثر ثباتًا، وأكثر جديّة.

هي لم تعد مجرد فتاة تهرب من ماضيها...

إنها الآن تواجهه، وجهًا لوجه.

ثم تمشي أنستازيا بهدوء نحو المكتبة الصغيرة القريبة من الباب، تسحب ورقة بيضاء، قلمًا، وعلبة الحبر، ثم تجلس على الطاولة الخشبية وتبدأ بالكتابة.

همست لنفسها بحماس:

"حسنًا... آمل أن تأتي عندما تقرأ هذا."

ترتسم على شفتيها ابتسامة خفيفة، خبيثة بعض الشيء، كأنها تجهّز لمفاجأة غير متوقعة.

ثم تنهض، وتضع الورقة بهدوء بجانب الوسادة حيث تنام إيميلي، لا تريد إيقاظها. لقد فعلت الكثير من أجلها الليلة الماضية... يكفيها ما بذلته.

تأخذ أنستازيا نفسًا طويلًا، يتبعه زفير ثقيل وكأنها تودّع شيئًا ما في قلبها، ثم تتوجه بخطوات بطيئة نحو الباب الخشبي.

هل هذه خطوات خوف... أم إصرار؟

هل هو خوف من الفوز أم من الخسارة؟ من شماتة الآخرين؟ أم من الحقيقة التي تنتظرها خلف أسوار الحلبة؟

تمسك بمقبض الباب.

تصمت لثوانٍ.

ثم تدفعه ببطء وتفتحه.

تتسلل أشعة الشمس لتنعكس على الأرضية الباردة، تلمع حول قدميها كما لو أنها تفرش لها طريقًا من الضوء.

تنزل الدرج بهدوء، ثم تفتح الباب وتخرج.

تعودت على هذا المكان...

بيت إيميلي صار بيتها الثاني، أو ربما... بيتها الأول حين تتعب من كل شيء آخر.

تمشي أنستازيا في أرجاء المدينة بخطى واثقة، وعيناها تلمعان بالعزم.

تُحيي هذا، وترد السلام على ذاك، والابتسامة لا تفارق شفتيها.

الجميع يعلم إلى أين تذهب...

إلى الحلبة.

لكن هناك شخصٌ واحد... لن يعجبه ذلك.

في ذات اللحظة، يفتح كايل باب غرفته بخطوات واثقة، يظن أن أنستازيا لا تزال محبوسة كما تركها.

يتجه نحو غرفتها، يضع يده على مقبض الباب، ويفتحه بهدوء.

صمتٌ ثقيل يصفعه.

الغرفة فارغة... مغطاة بطبقة خفيفة من الغبار، والنافذة الصغيرة مفتوحة على مصراعيها.

يقف كايل في مكانه للحظة، كأن قلبه توقف.

ثم ينهار على ركبتيه، ينظر إلى الأرض، إلى الغرفة الفارغة، إلى النافذة التي شهدت هروبها...

وهمس، بصوتٍ متهدج:

"خسرتُ كل شيء... من أجلك.

لمَ فعلتِ ذلك، أنستازيا؟

إن خطّت قدماكِ أرض الحلبة...

فلن تستطيعي الرجوع أبدًا."

في ذالك الوقت.....

تصل أنستازيا إلى الحلبة، أو كما تُعرف: ساحة تحديد المستوى...

عيناها مغلّفتان بدرع الشجاعة، وكأنها انتظرت هذه اللحظة لسنوات.

لكنها تشعر بأن أشواكًا من التوتر قد غُرست في قلبها... وكأنها تطحنها من الداخل.

أكثر مرحلة كانت تخافها... فهي تعلم أن مستواها ليس كما يظنّه الآخرون. هو أعلى، وأخطر.

وضعت يدها على خصرها حيث يستقر السيف، وأخذت نفسًا عميقًا... ثم دخلت.

لحظة واحدة فقط كانت كفيلة بإسكات الجميع.

توقفت الأحاديث، وثُبّتت النظرات نحوها.

فتاة... تجرأت على دخول مسابقة الحراس الملكيين؟!

هل يمكن أن تنجح؟ أن تقف شامخة؟ أن ترفع راية الفخر وتتحدّى كل من نظر إليها يومًا باحتقار؟

يقف أحد المتسابقين... أو ربما أحد الحراس.

يمشي بخطوات واثقة نحو أنستازيا حتى وقف أمامها.

شعره يميل إلى الحمرة، قوامه ممشوق.. يبدو أكبر منها بقليل، نظراته متعالية... إنه مصاص دماء، إنه عائلة نبيلة، بدليل زيه عالي الجودة وشعار فرقته الواضح على بدلته.

حتى أنفاسه كانت ثقيلة، وكأنها تتغذى على الغرور.

يضحك ضحكة خبيثة، ينظر إلى الحلبة ثم إليها ويقول باحتقار:

"يا عيني... جرذَة صغيرة دخلت لتلعب في المكان الخطأ.

هل تظنين حقًا أنك ستنجحين، أيتها الطفلة؟"

أنستازيا لم ترد. فقط رمقته بنظرة باردة، ثم تابعت سيرها... تجاهلته تمامًا.

كان هذا أفضل رد ممكن، أو هكذا ظنّت.

لكن ذلك الفتى لم تعجبه اللامبالاة... فاستدار نحوها وقال بصوت أعلى محاولًا استفزازها أمام الجميع:

"هربتِ...؟ يا خيبتاه!"

ضحكت أنستازيا، التفتت نحوه وهي تضحك ببرود قاتل.

رفع حاجبيه باستغراب وقال متسائلًا:

- "هل... جننتِ؟!"

لم تُجبه. رمقته بنظرة لا مبالية، نظرة لا تهتم بما سيحدث الآن، ولا بما سيتبع.

ثم، وبحركة واثقة، وضعت يدها على سيفها، وسحبته من غمده اللامع...

انعكس ضوء الشمس على نصله، ليبدو وكأنه صُنع للتو، سيف لا يلمع فقط، بل يتوعد.

قالت بصوتٍ عالٍ، يسمعه كل من في الحلبة:

- "ليس لدي خيار آخر، أيها..."

توقفت للحظة وكأنها تبحث عن كلمة، ثم تابعت بسخرية جارحة:

- "لا أستطيع نعتك إلا بالغبي... فقط لأحمي مشاعر من ربوك على هذه الأخلاق الرفيعة. ربّاه!"

ثم نظرت إليه نظرة أشبه بشرارة...

نظرة حقد وإصرار... وكأن النار تتراقص في عينيها، معلنة بداية معركة لن تكون سهلة أبدًا.

ثم تابعت أنستازيا وهي تلوّح بسيفها يمينًا ويسارًا، بكل خفّة وثقة.

صحيح أن شخصيتها عنيدة، عنيفة أحيانًا، وهادئة أحيانًا أخرى، لكنها تجيد أمرًا واحدًا بإتقان... الاستفزاز.

خصوصًا حين يكون خصمها من مصّاصي الدماء.

كان "ديفيد" يحدّق بها، والاحتقار يقطر من نظراته.

همس لنفسه بأسنان مشدودة:

- "أنا؟ فتاة تهينني؟ لن تجرئي... أيتها الغبية المتعالية."

تتساءل الآن، عزيزي القارئ: هي المتعالية؟!

أوه، على ما يبدو، هذا الفتى لم ينظر إلى وجهه في المرآة منذ زمن...

وفجأة، وبصوتٍ انفجر صداه في الحلبة، صرخ بكل ما يملكه من كبرياء مكسور:

- "أنا ديفيد، ابن كالكوس، مصّاص الدماء!

أعدك أنني سأقاتلك بشرف... ولن أتساهل معك!"

كان باقي الحراس يقفون في الحلبة، لا يتحرك منهم أحد.

عيونهم معلّقة على الاثنين، تارة يضحكون، وتارة يحدّقون باندهاش.

فكلمات أنستازيا وديفيد كانت كالسُم... تتسلل إلى الآذان، تحرق الأجواء وتؤجج التوتر.

كأن كل جملة تُرمى بينهما سلاحٌ في حد ذاته.

لا أحد يجرؤ على التدخل.

فالجميع يعلم... إن حدث شيء سيئ، فلن يكونوا سعداء بنتيجته أبداً.

لكن لحسن الحظ... أو ربما لسوئه لبعضهم، وربما لك أيضًا، أيها القارئ...

صوت امرأة مهيب، كأنه قُدّ من الجليد والنار معًا، يقطع الأنفاس ويشق السكون:

"ما هذه الجلبة في ساحتي؟!!"

اهتزت أرجاء الحلبة، وثُبّتت كل العيون نحو الباب الكبير، حيث دخلت تلك المرأة بخطوات واثقة، وجهها لا يحمل أي ملمح للرحمة... فقط الجدية، والحزم.

تحدّق أنستازيا بالشخص القادم، تتنفس الصعداء في سرّها،

وتتمتم بصوت بالكاد يُسمع:

"كيت؟!... يا رباه، الحمد لك..."

كانت أنستازيا تدرك جيدًا... لو أن المواجهة مع ديفيد استمرت، لربما قتلته، أو انكشف أمرها بالكامل.

تتجه أنظار كيت نحو أنستازيا، تلمح السيف مرفوعًا، وتحوّل نظرها نحو ديفيد.

نظرة واحدة فقط...

جعلت ديفيد يبلع ريقه، والخوف يرتسم على ملامحه كأنه طفلٌ ارتكب خطأ كبيراً.

بسرعة، أعاد سيفه إلى غمده وهمّ بالهرب،

لكن كيت لم تكن من النوع الذي يسمح للهروب...

أمسكته من قبة بدلته بقوة وقالت:

"إلى أين تظن نفسك ذاهبًا؟!"

يرتجف ديفيد للحظة، تتلبس عينيه ملامح الخوف كأنهما على وشك ذرف دموعٍ من الرهبة.

شفتيه ترتجفان، لكنه لا يجد الكلمات المناسبة ليبرر ما حصل...

تتقدم كيت خطوة، وعيناها تلمعان بالغضب،

صوتها يعلو مجددًا، لا يحمل أي شفقة:

"أحدٌ منكما... يشرح لي، ما الذي كاد أن يحدث هنا؟! هاه؟!!"

صمتٌ يخيم.

نظرات المتدربين تتقاذف بين كيت، وأنستازيا، وديفيد،

والجميع يهمس في داخله:

من يجرؤ على الكلام؟

لكن....

تُرجع أنستازيا السيف إلى غمده بحركة سريعة، تشبه النصل حين يعود إلى بيته.

تتنفّس الصعداء، وكأنها تخلّصت من عبء الغضب،

ثم تمشي بخطوات ثابتة نحو كيت...

ملامحها هادئة، صوتها منخفض، لكن واثق:

"أنا المخطئة... رفعتُ السيف أولًا."

تتوقف لوهلة، ثم تتابع وهي ترفع نظرها لكيت دون تردد:

"لكن، ليس كلّ الخطأ عليّ. اسأليه، ماذا قال..."

ثم تستدير بنصف وجهها نحو ديفيد،

وترفع حاجبيها بابتسامةٍ خفيفة فيها شيء من التحدي:

"أنت مصاص دماء... لا يمكنك أن تكذب، صحيح؟"

ينظر ديفيد باحتقار، يعلم أنه خسر هذه اللحظة، لكن لا يستطيع بلع كبريائه... يتمتم بين أسنانه:

"سحقًا... تبا لكِ."

ثم يلتفت إلى كيت، يشد ياقة بدلته التي كانت لا تزال ممسوكة من قبضتها القوية، ويقول بضيق:

"أفلِتيني... وأقسم أنني سأتحدث."

تنظر إليه كيت، والغضب في وجهها بدأ يخبو تدريجيًا...

ثم تقول بنبرة صارمة:

"حسنًا..."

تفلت قميصه، ليرجع ديفيد خطوات متخبطة إلى الوراء، وكأن الأرض قد خانته.

لحسن حظه، يستعيد توازنه، ثم يقول مترددًا:

"أنا... أنا من استفزّها أولًا. الخطأ عليّ أيضًا."

ثم يلتفت إلى أنستازيا بنظرة مشتعلة بالغيظ، وكأن عينيه تصرخان:

"لعنة على اللحظة التي تحدثتُ فيها معك!"

ثم تأخذ كيت نفسًا عميقًا، وتعود لهدوئها المعتاد وتقول بنبرة حازمة:

"لولا مكانة هذه الفتاة، ولأني لا أرغب بافتعال المزيد من المشاكل... لأقسمت أني سأدفنكما حيّين. وليس لديّ مشكلة في فعلها."

ثم أشارت بيدها:

"هيا، عودا إلى أماكنكما!"

تنظر كيت إلى أنستازيا التي كانت واقفة بفخر، ترمق ديفيد، وتخرج لسانها له كما لو أنها انتصرت من دون قتال.

عندها تقول كيت بصوت أخفض، لكنه مشحون بالوعيد:

"وأنتِ... حسابك معي عسير."

تتلاشى علامات الفخر عن وجه أنستازيا فور سماعها لتلك الكلمات.

تحاول أنستازيا أن تبقى مبتسمة، وكأنها لم تسمع تهديد كيت المشحون، لكن... على من تخدع؟

تميل كيت بجسدها قليلاً نحوها، تنظر بعينين حادتين وتقول:

"هل سمعتني، أيتها الشابة؟"

تبتلع أنستازيا ريقها سريعاً، تؤدي التحية العسكرية وتقول:

"نعم، أيتها القائدة."

ثم تلتف بسرعة وتمشي بخطى ثابتة، محاولة أن تُخفي التوتر في خطواتها، حتى تصل إلى أحد المدرجات الخشبية، وتجلس لتأخذ قسطاً من الراحة.

بعد الأجواء المتوترة التي عمّت المكان، بدأت الطبول تُقرع بقوّة، معلنة انطلاق مسابقة تحديد المستوى.

كل متسابق يقف متأهبًا، يحاول أن يُخفي خوفه تحت عباءة الحماس.

في وسط الساحة، تقف القائدة كيت بثبات، وإلى جانبها إيفيان، النائب الملكي الرسمي، والحكيم المقدّر، صاحب الكلمة المسموعة في القصر.

ترفع كيت يدها، ويتوقف كل همس. تقول بصوت يملأ جدران الساحة:

"أيها المتسابقون،

ترون هذا الشكل الذي يبدو كهيئة إنسان؟

الأكياس المعلّقة عليه مملوءة بالرمل. كل واحد منكم سيضربه بالسيف. لون الرمل الذي سيتطاير سيحدّد مستواه، حسب الطاقة التي يطلقها."

يصرخ الجميع بصوت واحد: "حاضر، أيتها القائدة!"

تقف أنستازيا في آخر الصف، تمسك سيفها ووجهها مليء بالتفكير، وتهمس لنفسها:

"آمل ألا يكون مستواي كما أتوقع... يا ليت يكون أبيض أو برونزي فقط.

لكن، على من أخدع؟

قضيتُ سبع سنوات أقاتل وحوش الظلام في الغابة...

وسحري؟... أوه، حتى هو لم يختف كما ظننت.

يا إلهي، لو خرج اللون الأحمر أو الأسود... سأثير الشكوك لأعلى درجة

تمشي الصفوف بسرعة... والأصوات تتعالى واحدة تلو الأخرى:

"أبيض!"

"برونزي!"

"سماوي!"

كلها مستويات جيدة، لكنها لم تدهش أحدًا بعد.

لكن فجأة...

ينطق المنادي باسمٍ ملأ الساحة بالضجيج:

"ديفيد كالكوس..."

ضربة سيف حادة، تطاير الرمل بلونٍ ذهبي نقي.

صمت تام للحظة، ثم تعلو الهتافات.

"أعلى مستوى حتى الآن!"

تبتسم أنستازيا بسخرية وهي تنظر إليه يصفق لنفسه، كالعادة، بثقة مقيتة وغرورٍ معتاد.

تضع يدها على ذقنها وتفكر بعمق:

"حسنًا، إن الأبيض من المستوى 1 إلى 9...

البرونزي من 10 إلى 20...

السماوي من 21 إلى 35...

والذهبي من 36 إلى 45...

وأنا؟ سأتسبب في كارثة... مستواي أعلى بكثير من هذا."

تضيق عيناها بتوتر، يدها ترتجف بخفة فوق مقبض السيف... أفكارها تتسابق كأنها حروب داخل عقلها....

وفجأة - يخترق صوتٌ صلب هذا الارتباك.

"المتسابقة رقم 20... أنستازيا ويلسون!

تقدّمي إلى الساحة!"

تأخذ أنستازيا نفساً عميقاً، تتقدم ببطء إلى المكان الذي يقف فيه الحكام.

ديفيد يذهب بكل فخر، ينظر إلى أنستازيا التي تمشي بثقة.

تقف أمام هذا الشكل المليء بالسحر.

تقول كيت: "هيا... اضربيه."

تُخرج أنستازيا السيف من غمده، يلمع وسط غبار هذه الساحة.

تمسكه بقبضةٍ مغلّفةٍ بالشجاعة...

وترفعه عالياً، ثم تضرب الضربة!!!

هووف...

تُغمض أنستازيا عينيها، لا تريد أن ترى المصيبة...

شهقات تتعالى!

من الجمهور... من الحراس... من الجميع!

لم تكن الرمال بيضاء...

ولا حتى سماوية...

بل سوداء!

صوت إيفيان يعلو فوق جميع الأصوات،

مقطّعاً الصدمة بكلماته الثقيلة:

"أسود؟!!"

تفتح أنستازيا عينيها...

ليلَفح وجهها غبار الرمال السوداء.

ترفع بصرها،

كلّ الجمهور مصدوم...

الهمسات اختنقت، والأنفاس انحبست.

من تخرج من ضربته رمال سوداء؟

مستواه لا يقل عن 88... أو ربما أكثر.

تنظر أنستازيا بين الصفوف،

فتراها...

تراه!

ذاك الشخص الذي لم تكن تتمنى أن يرى فعلتها هذه...

الباب فتح.

بوابة الجحيم انفتحت عليها الآن.

فهل ستنجو؟

هل ستقدر أن تغلقها؟

أم أنها ستترك القدر يلعب بحياتها...

يتبع... إلى الفصل الثالث.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

آنستازيا

المؤلف Eliana kalaani
2025/08/28 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة