يومٌ مشرقٌ آخرَ في روما تطلُّ الشَّمسُ على حيِّهم الشَّعبي ، يفتحون اعينَهم على صوتِ والدتِها التي تبعثُ الحياةَ في المنزلِ كلَّ صباحٍ ..
كانت فتاةً ملائكيةَ ملامحُها تحملُ طابعاً خاصاً من الجمالِ النادرِ..
عيونها الكحليةَ كسماءِ ليلةٍ مقمرةَ ! و شعرها الذهبي الطويل كسنابلِِ قمحٍ سقتها المطر ..
فيونا رايدر ..
ملاكُ الجامعةَ ، لقبٌ نالتهُ بجدارةَ ليس لتحصيلِها العالي لكنَّ نُبلَ أخلاقها فرضَ إحترامها..
كانت تعيشُ حياةَ مسالمةَ مليئةَ بضجيجِ العائلةَ ، شجاراتُ والديها التافهةَ ، مشاحناتٌ بين أخويها و سماعِ قصصِ الرعبِ من جيرانِها ...
حياتُها كانت بينَ منزلٍ و جامعة ..
في منزلها كانتِ الفتاةَ النشيطةَ صاحبةَ الذوقِ الرفيعِ بمستوى عالٍ من الدقةِ أسيرةَ فنجانِ قهوة ! تنالُ حبَّها لو أهديتها قطعةَ حلوى..
منتهى اللطفِ و الرقةَ
و في جامعتها كانت الفتاةُ المتحفظةَ مسالمةَ لأبعدِ الحدود .. لا يكادُ يُسمَعُ لها صوت..
دائماً جالسةَ مع صديقتيها صامتةَ في أغلبِ الأوقاتِ و ردُّها لو سُئلَت قصيرٌ مصحوبٌ ببتسامة ..
هذا ما عرفوه عنها ..
لكن ما لم يعرفوا ..
أنَّها تحفظُ تفاصيلَ لهم هم لا يدركونها .. أنَّها درست تحليلَ الشخصيةَ تعرفُ حالَ الشخصِ أمامها حتَّى لو كان حديثهُ صامتاً
كانت ملكةُ التفاصيلِ المنسيةَ
تعيشُ في الظلامِ حيث لا نورَ سوا عيناها .. تُغرِقُ الكتبَ بحبرها تعبثُ بهاتفها و حاسوبها..
في الظلامِ كان تزيلُ عن نفسها قناعَ المثاليةَ تنظرُ لنفسها بمرآةِ الحقيقةَ
تلومُ نفسها على غفلتِها سابقاً ..
رسالةَ واحدةَ كانت كفيلةَ بجعلها تفتحُ عيونها و تحدقُ بما حولها بانتباهٍ..
رسالةٌ واحدةَ أفقدتها سكينةَ روحها .. كانت تظنُّ أنَّها تنتمي لعائلةٍ هادئةَ ظاهرها و علنها سواء ..
لكن الغطاءَ أُزيلَ عن عينها لتبصرَ جزءً من حقيقةٍ أنهكت فكرها
قررَت تمزيقَ ذاك الستارِ و كسرَ تلك الأقنعةَ ..
رسالةَ تحملُ حبراً عتيقاً مكتوبةَ على ورقٍ ملوثٍ بدمِ ..
حوت بضعَ كلماتْ.. حُفِرَت في أعمقِ نقطةَ لديها ..
" كما أخذَ والدكِ روحاً .. سأخذُ انا روحَك "
حينها كانت في الخامسة عشر فقط .. لكنَّها كانت ذكيةَ ... اختارت البحثَ بدلَ الخوف ..
فضولها الكبير جعلها تعرفُ اكثرَ مما يعرفون ..
حياتها البسيطةَ كانت لها أبعادُ أخرى.. سجائرُ والدها ليلاً و هو ينظرُ لسَّماءِ .. أمها تحتسي القهوةَ تحت ظلِّ القمر ..
حين يتنهدان ينظرانِ لبعضهما بإستكانةَ كأنَّهما شريكان في ذنبٍ لا يغتفر
شرودُ أخيها صباحاً .. كأنَّهُ سهرَ الليل كلَّه ..
صمتهم رغمَ كثرةِ كلامهم ..
و هي فتاةُ التفاصيلِ غابَ عن ذهنها عائلتها !
بعد تلكَ الرسالةَ .. جعلَت لنفسها مدونةَ سريةَ تكتبُ فيها كلَّ صغيرةَ و كبيرةَ
تستيقظُ ليلاً تجمعُ فتاتَ الأحداثِ تركبُ المجزءَ و تجزءُ المركبَ
تحللٌ و تفهمُ ما يحدثُ حولها ..
ثمَّ
أنشأَت منصةَ رقميةَ .. بهويةٍ مجهولةَ كلُّ ما تكتبهُ في المدونةِ يتمُ نشرهُ في تلكَ المنصةَ
منذُ دخولها الجامعةَ توسعت اكثر ..
باتت تكتبُ أسرارَ العالمِ حولها ... صحفيةَ تعرفُ العالمَ و لا يعرفُها أحد ..
قد أخذت عهداً على نفسها .. معرفةُ كاتبِ تلكَ الرسالةَ
فيونا ، طالبةَ جامعيةَ في قسمِ علمِ الإجتماعِ معروفةَ بلطفِها و ابتسامتِها المشرقةَ قريباً ستبلغُ عامها الثاني و العشرين في سنتها الأخيرةَ في جامعةِ روما سابينزا ..
رسبَت في سنتها الأولى كونها فتاةٌ تكرهُ الدراسةَ و قررَت الحصولَ على شهادةٍ جامعيةَ لتجنبِ سماعِ كلامِ والدتها المتكررِ عن الدراسة !
الفتاةَ الدراميةَ صاحبةُ الإبتسامةَ الماكرةَ لها سجلٌ مدرسي مثالي
حيثُ لم يستطع احدٌ كشفَ هروبها عن الحصصِ الدراسيةَ و لا احد استطاعَ معرفةِ المشكلات التي احدثتها
كانت الستارَ اللامعَ لفوضى لم يرها أحد ..
حاكتِ اللعبةَ و تاهت فيها !
بدايتها كانت شرارة لحريق كبير ناره لن تنطفئ و حروقه لن تشفى ...