"تفضَّلي أيَّتُها الأُخْتُ، هذهِ سِلعةٌ فرنسيَّةٌ جديدةٌ تقريبًا، كُلُّها ماركاتٌ عالميَّة."
نظرت رَضوى إلى البائعِ الذي تَبدو عليه صِفاتُ الاحتيال، وهي تُقَلِّبُ الملابسَ المَكُوْمَةَ على الطاولةِ: أقمصةٌ رياضيَّةٌ وأُخْرَى صُوفِيَّةٌ للشتاءِ، وحتَّى سراويلُ البيجامات.
كان منَ الواضحِ أنَّهُ يَكذِبُ، فأيُّ ماركةٍ عالميَّةٍ تلكَ التي تُدعى Jonkli؟
بادلتْ ابتسامتهُ الواثقةَ بأُخْرَى مُتوترةٍ، واستخدمتْ تلكَ العبارةَ الملعونةَ التي لا يُصَدِّقُها لا البائعُ ولا المُشتري، ولكنَّها تُستَخدَمُ كحلٍّ دبلوماسيٍّ في حالاتِ الانسحابِ هذه:
"حسنًا، أظنُّني سأزورُ الطاولاتِ الأُخْرَى وأعودُ، الله يُعاونك."
"صحا، وداعًا."
قالها البائعُ بتَململٍ وهو ينظُرُ للفتاةِ بطرفِ عينه. لقد فَقَدَ زبونًا آخرَ إلى الأبد.
ابتعدتْ رَضوى عن الطاولةِ بسرعةٍ وهي تتنفسُ الصُّعداء، وشقَّتْ طريقها بصعوبةٍ بين أكوامِ الملابسِ المُستعملةِ والقطعِ الأثريَّةِ الرخيصة. ورغمَ جَسدِها النحيفِ، واجهتْ بعضَ الصعوبةِ في حشرِ نفسها خلال الفراغِ الضيِّقِ بين البَسَطَات.
كان الغِطاءُ البلاستيكيُّ المُرَقَّعُ الذي يُغَطِّي "البالة" ذو لونٍ أحمر، مما جعل عليها منَ الصعبِ تمييزَ الألوانِ، فكُلُّ شيءٍ يبدو أحمرَ، ورائحتا المطاطِ البالي والغُبارِ زَكَمَتا أنفَها، فكانَ تَداخُلُ كُلِّ هذهِ العواملِ يجعلُ الجوَّ خانقًا.
لكنَّها كانتْ تعلمُ أنَّ التضحيةَ تستحقُّ، فهي تقومُ بهذهِ الرحلةِ الشاقةِ كلَّ شهرٍ لِتَظْفَرَ بقطعِ ملابسَ أو إكسسواراتٍ نادرةٍ بأزهدِ الأسعار. وكانت مهمَّةُ هذا اليومِ إيجادَ ملابسَ شتويَّةٍ بالدنانيرِ القليلةِ التي تملكُها.
كانتْ رَضوى تُخَلِّصُ نفسَها من مِسْمارٍ صَدِئٍ عَلِقَ بحقيبتِها، عندما سمعتْ زعيقَ صوتٍ مبحوحٍ على بسطةٍ مجاورة:
"مئتان؟! غيرُ معقول! لو كُنتُ أريدُ دفعَ مبلغٍ كهذا مقابلَ حقيبةِ يدٍ، لَذهبتُ إلى شانيل يا عم! هذهِ سرقة!"
"لقد أخبرتكِ، إنَّها قطعةٌ نادرة، ألا تَبدُو كالجديدة؟ لم تُستعمَلْ أكثرَ من مرَّتين، وهي ماركة.. انظري هنا.."
"مستحيل، هذا سعرٌ مُبالَغٌ فيه. مئةٌ وآخذها، ها؟ مْليحَة؟"
"هكذا أَخسرُ أنا!"
"اِسمعْ يا عم، أنتَ ستَخسرُ في كلِّ الحالات. لا أحدَ سيشتريها بسعرٍ كهذا. إذن؟ مئة؟"
"مئةٌ وعشرون."
"العشرون سأركبُ بها تاكسي إلى المنزل. سأدفعُ مئةً فقط."
حدَّق البائعُ بعينينِ ضيقتينِ كأنَّهما تبحثانِ عن ثغرةٍ في جدارِ عنادِ هذهِ الفتاةِ الصعبة. ولكنْ بعدَ بُرهةٍ أخذها للتفكيرِ في الأمرِ، استسلمَ وتركَ الحقيبةَ للفتاةِ مُكرهًا:
"ما عساني أقول، خُذيها فحسب. أجل.. هاتِ تلك المئة. أجل، أجل، مع السلامة.."
ثمَّ تمتمَ وهو يُشيِّعُها بامتِقَات: "طريق السّد!"
لوَّحتِ الفتاةُ بالحقيبةِ عندما رأتْ رَضوى، وأقبلتْ نحوها، تَعلُو وجهها أماراتُ الزَّهوِ وهي ترفعُ غنيمتَها عاليًا. ابتسمتْ رَضوى ابتسامةً يَشُوبُها الإحباطُ، فهي لن تستطيعَ أن تُجَابهَ الباعةَ المُتمرِّسين وتَجعلَهم يرضخونَ لمُساوماتِها كما تفعلُ مِينا صديقتُها.
"لقد أرادَ أن يسرقني! تَخيَّلي أنْ أدفَعَ مئتينِ في البالة! في الواقعِ حتَّى مئةٌ كثيرة.."
انخفضَ صوتُ مينا، وبدا عليها الألمُ، وتقلصتْ أساريرُها بعد أنْ شعرتْ أنَّها سُرِقَتْ بعد كلِّ شيء:
"أظنُّني سأعودُ إليهِ لأستردَّ مالي، أو رُبَّما أَجعلهُ يُعيدُ إليَّ نصفَ الأموال؟"
وقبل أنْ تهمَّ بالرجوعِ، تمسكتْ رَضوى بذراعِ صديقتِها كأنَّ نجاتَها تَعتمدُ على ذلك. هذا لأنَّها تَعرفُ حقَّ المعرفةِ كيف سينتهي الأمر، ولن يكونَ خيرًا.
"كلا، لقد كانت صفقةً ممتازة! انظري، إنَّها ماركةٌ فعلًا، على الأقلِّ تقديرٌ سعرُها مليون. وكذلك، إنَّهُ رِزقُ الرجلِ يا مِينا، لا تُصعِّبي الأمرَ عليه. هيا، هيا، لم يَبقَ الكثيرُ منَ الوقت، وأنا لم أشترِ شيئًا بعد."
.حاولتْ مينا أنْ تُحرِّرَ نفسَها من قبضةِ صديقتِها، لكنها أذعنتْ لحُججِها وتحركتْ بعيدًا عن بائعِ الحقائب.
تَنَقَّلَتِ الفتاتانِ منْ بسطةٍ إلى أُخْرَى خلالَ الساعةِ المُواليةِ، وقد تمكَّنتا من إيجادِ بعضِ الكنوزِ الخَبيئةِ، التي كانتْ مَحشورةً في مكانٍ ما فوقَ طاولاتِ الصناديقِ والكرتونِ المُرتجَلة، والتي تُشَكِّلُ جوهرَ هذا المكانِ الذي لا يَنتَمي لأيِّ زمانٍ ولا مكان، بل هو قابعٌ هناك على حافةِ العالَم، حيثُ لا نُورَ شمسٍ ولا ظلام، فقط ظلٌّ أحمرُ يتراقصُ فوقَ رؤوسِ باعةِ الكنوزِ ومُشتريها. فما إنْ تخطو بِقَدَمِك إلى داخلِ هذا العالمِ، تختفي كُلُّ معالمِ الحياةِ التي تعرفها، وتَنصَهِرُ بذاتِك في هذا البُعدِ، حيثُ رائحةُ القماشِ القديمِ والتُّرابِ والبلاستيكِ هي الأكسجين، وأكسيرُ الحياةِ هو صفقةٌ رابحةٌ تُقايِضُ فيها قطعة بورقةٍ نقدية، أو ربما فكة من فئة 200دج ان حَالفك الحَظ.
قاربتِ الساعةُ منتصفَ النَّهار، وخفَّتِ الحركةُ في "البالة". سُمع صوتُ نقراتٍ خفيفةٍ على "الباش" البلاستيكيِّ الأحمر، سرعانَ ما أخذتْ تزدادُ حدَّةً؛ بدأت الأمطار في الانهمار بغزارَة. وبسببِ الطبيعةِ شِّبهِ المغلقةٍ للمكان، لم تنتبهِ الفتاتانِ إلى أنَّ عاصفةً كانت تقتربُ مُذ دخَلتا قرابةَ الساعةِ العاشرة.
"ياااه! إنَّها تُمطر، يا رضوى! يا إلهي، أَلَمْ يكن الجوُّ صَحوًا للتو؟!"
انتشرتِ الرائحةُ النَّفَّاذةُ للترابِ المُبلَّلِ في الأجواءِ، وشرعَ بعضُ الباعةِ في جمعِ بضائعِهم في أكياسٍ سوداءَ كبيرة، وهَمُّوا بالمغادرة، فيما اكتفى آخرون بتغطيةِ بَسَطاتِهم ووضعِ آنيةٍ بلاستيكيَّةٍ في الأماكنِ التي يتسرَّبُ إليها ماءُ المطر.
"هيا رودي، فلنذهبْ قبلَ أنْ يزدادَ الجوُّ سوءًا..."
قالتْ مينا ذلك وهي تحثُّ الخُطى نحو المخرج، لكنْ حينَ التفتتْ لم تجدْ أيَّ أثرٍ لصديقتها.
راحتْ مينا تمسحُ المكانَ بعينيها، فلم ترَ أيَّ فتاةٍ بشعرٍ بُنِّيٍّ مربوطٍ على شكلِ ذيلِ حصان، ولم تلمحْ في أيِّ زاويةٍ معطفَها الأحمرَ ولا حقيبةَ ظهرِها السوداء. راحتْ تراجعُ بخُطاها الأماكنَ التي تواجدتْ فيها مع رضوى حتى وصلتْ إلى بَسطةِ بائعِ الحقائب، ولكنها كانت خاليةً إلَّا من بضعِ أكياسٍ بلاستيكيَّةٍ وقطعٍ من الكرتون.
وعندما فقدتْ أملَها في إيجادها بهذه الطريقةِ البدائيَّة، أخرجتْ هاتفَها خفيةً واتصلتْ بها، وكما كانت تتوقَّع، ظلَّ الهاتفُ يرنُّ ولم تتلقَّ أيَّ إجابةٍ؛ أبْقت رضوى هاتِفَها على الوضع الصَّامت كالعادةِ.
"لا أُصدِّق، حتى في وضعٍ كهذا..."
حاولتْ مينا مجددًا البحثَ عن صديقتِها بيأسٍ، لكنها لم ترَ سوى متاهةٍ شاسعةٍ معتمةٍ من الأعمدةِ والصناديقِ وأكوامِ الثياب، ولم ترَ شخصًا يمكنُها طلبُ مساعدتِه، ولا حتى سؤالُه. كلُّ شيءٍ بدا مظلمًا، والبشرُ القلائلُ الذين أمامَها بدَوْا كالمسوخِ بأَسْبالِهم السوداءِ.
عندما استنفدتْ مينا كلَّ خيار، قررتْ أن تستخدمَ ورقتَها الرابحة التي لطالما كرهتْها رضوى: صوتَها العالي.
"يااا رضوو..."
لكنَّها توقفتْ فجأة. في إحدى الزوايا، المُضاءة بشكلٍ غريبٍ بلونٍ أزرقَ خافت، وقفتْ رضوى تُحدِّق بشيءٍ ما على بَسطةٍ صغيرةٍ لا تحتوي إلَّا على بضعِ قطعٍ غيرِ متناسقة.
هرعتْ مينا نحوها وهي تُنادي باسمِها، لكن لم يبدُ وكأنَّها تسمعُ شيئًا. كان بين مينا والطاولة التي وقفتْ عندَها صديقتُها بضعُ أمتار، عندما صفعتْ رائحةُ أسماكٍ قويَّةٌ أنفَها... إنَّها رائحةُ البحر.
اقْتَرَبَتِ الفَتاةُ، وزادَتْ حِدَّةُ الرّائِحَةِ أكثَرَ فأكثَر، وأخَذَتِ الأصْواتُ تَتَعالى فِي رَأسِها.
أَحَسَّتْ بِدُوارٍ خَفيف، وسَرَتْ قُشْعَرِيرَةٌ في جَسَدِها، لكِنَّها وَصَلَتْ إلى البَسْطَةِ أَخيرًا.
وفيما رَفَعَتْ يَدَها إلى كَتِفِ صَديقتِها، اسْتَدَارَتْ رَضْوَى مُجْفَلَةً نَحوَها، وبَدا كأَنَها تَستيقظُ من حلمٍ طويل.
اخْتَفَى الضَّوْءُ الأَزْرَق، خَفَتَتِ الأَصْوات، وعادَتْ رائِحَةُ المَكانِ لِتَكونَ تُرابًا مُبَلَّلًا.
والأَهَمُّ مِنْ ذلك، اخْتَفَتِ الطّاوِلَة، ولَمْ يَبْقَ مِنْها إِلّا سُتْرَةٌ رَمادِيَّةٌ قَدِيمَة، وكانَتْ رَضْوَى تُمْسِكُ بِها بَيْنَ يَدَيْها.