أحياناً يكون اللّطف الزائد نقمة على صاحبه، بعض الناس يستغلونه شر استغلال ،يسيئون إلى المرء ضامنين حلمه ،آمنين عقوبته، يكلّفونه ما لا طاقة له به باسم " العَشم" ، ويجرحونه بخبث الكلام المندسّ في هزلهم ولعبهم، ويضعونه في مآزق نفسية بألاعيب ملتوية تنطلي بسهولة على قلبه الطيب ..
فهو يتصرف بمعدنه النفيس ولا يجيد الرقص على حبال الخداع والتلون ،بينما أولئك الأوغاد سادة هذا الطبع الشائن ..
و بيليسيا لم تكن يوما استثناء ..
تلك الخيوط الشفافة التي نسجها لطفها حولها، تحولت ببطئ إلى شباك خنقتها دون أن تنتبه ..
تبتسم حين كان عليها أن تصرخ ، وتصمت حين يكون الصوت خلاصا ،وفي كل مرة حاولت أن تكون على سجيتها، وجدت نفسها في مكان لا يشبهها ..بين أناس لا يلاقون طيبتها بالمثل..
كانوا ولا زالو يمتصون من صبرها ما يكفيهم، ويتركون لها خواءً لا يرى ، حتى اكتستها طبقة الفراغ ..
جلست على طاولتها المعتادة في شرفة ذلك المقهى الذي يبعد عن شقة خالتها بربع ساعة مشيا .. مقهى يطل على شاطئ "لاكونشا" في مدينة "سان سيباستيان" بإسبانيا ..
بواجهة خشبية وطلاء ازرق باهت تصدع تحت شمس البحر،أرضيته من الخشب القديم الذي يئنُ تحت الخطوات بصوت خافت وجدرانه تحمل صورا بالابيض والاسود لسفن ومرافئ ، ووجوه لا تدري أكانت سعيدة ام حزينة.. فقط شاردة، كحالتها تماما..
لكن جل تفكيرها تبخر حين تسللت الى انفها تلك الرائحة .. رائحة البن المحمص ..كان لها تأثير واضح على قلبها، حيث ظهرت في عينيها لمعة سعادة من الذي تراه امامها، قد وضع النادل فنجانها امامها ولأنها في مقعد مطل على البحر اختلطت رائحة قهوتها مع ملح البحر..
تمتمت له بشكر خافت وابتسامة خافتة تزين محياها ، وما إن أومأ النادل دليل على قبوله شكرها والتفت يكمل عمله اعادت ملامحها للبرود.. هواية تكتسبها عندما تكون ابن عائلة ملكية خصيصاً..
وبالمناسبة يبدو أن هذا النادل اعتاد على وجودها وطلبها حقا! لأنه بات كل مرة تجلس فيها يضع الفنجان أمامها دون حاجة إلى مناداته أو تكرار الطلب..
إرتشفت من الفنجان وانتقلت من تفكيرها بالقهوة إلى ذلك النادل الجميل ،لم ترى في حياتها قط نادلا بهذا الشكل الضخم ، هو يبدو قادرا على تكسير عضام كل شخص هنا دون تعب.. تتساءل ماذا يستطيع فعله أكثر من ذلك ..
نفضت تلك الأفكار من رأسها وانزلت الفنجان عن فمها فور شعورها بشخص يجلس أمامها ، ولم تكن إلا ابنة خالتها أليسكا ..
شابة جامعية في منتصف العشرينات ، ذات شعر أسود مموج وعيونٍ بنية داكنة ،وجدياً لا شيئ من مظهرها يظهر حقيقتها ، مظهرها كفتاة قد تكسر رقبتك إن أطلت النظر لها ، لكن شخصيتها؟ نقيضٌ تام بكل ما تحمله الكلمة من معنى!
أليسكا كانت محبة للحياة ، مرحة ،تبعث طاقة كانها تستيقظ كل صباح على انغام جبال الألب وهي تدعوها لتسلقها دون كلل أو ملل..
" ما أسوء أن يتعود المرء على الخسارة، حتى يرى في الرّاحة طيفَ خيانة "
رمشت بيليسيا بدهشة والرشفة التي اخذتها لتوها بدأت تلسع حلقها حالما استقرت الجملة داخل ذهنها..
لم تتصور قط أن ابنة خالتها ستجلس امامها لتقول جملة كهذه..
كانت تقصدها..تقصد انها اعتادت الخسارة لذا اعتادت أن تتخذ وجوها باردة حتى في لحظات راحتها اين كل ماتسمعه هو صوت أفكارها فقط..
وهي في إسبانيا الآن ، بعيدة كل البعد عائلتها ، عن عملها، عن كل ما كانت .. ومع ذلك ،لا تزال ترتدي قناع الهدوء ..
أطلقت نفسا متثاقلا وأعادت الهدوء لبؤبؤيها بعدما غزاهما الانكسار..
" صباح الخير "
ردفت بهدوء تغير مسار الحديث ترفض تماما وضع مشاعرها على الطاولة ، ولأن أليسكا هي أليسكا .. لم ولن تستسلم ..
هي تحاول معها منذ أن حطت قدماها قصرهم، أيّ منذ شهر تقريبا، وعرفت للتو أن جملا كهذه فقط هي ماتجعلها تعطيك ردة فعل..
وبالطبع لن تفلت فرصة كهذه ، ستستعملها ضدها لاحقا .. ربما ستؤذيها قليلا لكن بما أنّ النتيجة فعالة لا مانع لديها..
تباً..
هي تريد وضع كل ما في جعبتها، تريد ان تقتلع صمتها بالحاح الأسئلة ، لكنها تعرف أن مع بِيلِي الصمت اكثر اقناعا من الفضول .. لكي تجعلها تنفتح ،عليها أن تشعرها بالأمان، لذا ستصبر وتمثل انها نسيت رفضها مؤقتا..
تباً مجددا..
حملت كأس الماء وارتشفت منه تحاول قدر الإمكان تغطية الابتسامة التي نمت على شفتيها..
" صباح الخير .. Sol Umbrae "
ومجدّدًا، لم تتلقَّ منها سوى الهدوء.
اللعنة، هي تكره كل مشتقات كلمة "هدوء"، وتشُك أصلًا أنّ ذاكرتها تحمل تعريفاً لهذه المصطلحات، ألِيس والسكينة خطّان متوازيان لا يلتقيان، بينما هي والصخب خطّان متعانقان يجريان وسط غابة ميتة كأنها مدينة ملاهي..
" ألم تملّي من الجلوس هنا يومياً؟ "
" لا "
قلبت أعينها من ردها المختصر والبارد وأسندت ظهرها على الكرسي قائلة:
"تعلمين .. يوجد مهرجان الليلة، المدينة كلها تتجهز له، الكثير من الألوان، الموسيقى ،الرقص، الفوانيس ،النيران الصغيرة على الشاطئ...الجو سيكون جنونيا "
ثم مالت قليلاً للأمام وهمست بنبرة مشاغبة:
"وأنا واثقة أن الجو الجنوني هو بالضبط ما تحتاجينه الآن."
رفعت بيلي أنظارها إليها بنظرة باردة؛ لم تكن تملك طاقةً للرفض أو القبول.، وفي كلتا الحالتين، كانت تعلم أن أليسكا لن تتركها على راحتها، فهذه الأخيرة لا تسأل عن رغبتك، بل تأتي بكل نشاطها المعتاد لتملي ما عليكَ فعله،ثمّ تذهب ببساطة..
" سأفكر "
" بما ستفكرين بحقكِ؟ هذا مجرد مهرجان .. لم أطلب منكِ الزواج من أحدهم"
زفرت بضيق ونبرتها لم تخلو من الانفعال وكردة فعل من الجراحة رفعت حاجبها وردفت بهدوء:
" وهل ترينني أملك مزاجاً للاختلاط؟ "
" بل أراكِ بحاجة لأن ترغمي عليه ."
أغلقت بيلي أعينيها لثانية بينما تريح ظهرها للخلف ثم :
"سنرى"
كانت إجابة لا تشبه القبول،لكنها ليست رفضا ..
وهذا كافٍ لأليسكا كراوسنر..
أطلقت صفيراً خفيفا ثم فجأة إلتفتت ميلينا تنظر في الجهة الأخرى للمقهى .. للحظة شعرت أن أحدهم كان يراقبها لكنها رمشت متجاهلة ذلك و أعادت نظرها نحو الأخرى التي تبتسم بخبث :
" سنختار لكِ فستانا ، سواء حضرتِ أم لا "
" وهل يجدي الحديث معكِ اصلاً ؟ "
ضحكت إبنة الخالة بخفة ورفعت كأس الماء تكمل ماتبقى منه ، أمّا ميلي فحاولت منع إبتسامتها من الظهور..لكن ذلك لم يخفي اللّمعة في أعينها وهنا تعتبر أنها ابتسمت.. حتى لو كان داخلياً، للمرة الأولى منذ أشهر .....
........................................................................
مرحباً يا رفاق 🤭👋
أول رواية لي وأحس أءءءء😭🙂↕️
شعور لا يوصف حرفيا 😪🥹
كتابة هذا الفصل كانت رحلة بحد ذاتها، وإذا كنت هنا تقرأ/تقرأين حتى هذه اللحظة.. فأنا أحتضنك افتراضيًا 🤍🫂
الفصل الأول كان جدّ متعب رغم أنه لا يحتوي على تفاصيل كثيرة ، أتساءل ماذا سيحدث لي لاحقا!؟🥲😮💨
أخبروني كيف كانت بدايتي؟ أنا هنا أكتب من قلبي وأتعلم مع كل حرف..تعليقاتكم تعني لي جدًا 🌱💞
الرواية موجودة على تطبيق واتباد أيضا🫶✨️
أرَاكم مِن بَين السُطور ، واحداً واحداً..