: صباح الزعيم
رنّ المنبه بنغمةٍ حادّة، اخترقت سكون القصر كما يخترق الخنجر صدر الوقت. تحرّك فينسيوس ببطء، فتح عينيه بلون الليل البارد، ومدّ يده ليُسكت الصوت بلا أدنى انفعال. جلس على سريره الفخم، الذي غطّته أقمشة سوداء وثقيلة كما هي حياته، ثم نهض بثقل العادة لا الكسل.
توجّه إلى خزانته الكبيرة، واختار بذلة سوداء أنيقة، كعادته في كل صباح: أنيق، صامت، وبارد كالرصاص. صفّ أزرار قميصه الأبيض بدقة، ثم عقد ربطة عنقه كمن يستعدّ لحرب لا لمكتب.
خرج من جناحه الخاص، مرّ عبر ممرات القصر الفسيحة، حيث تنتظر التفاصيل أوامره لتبدأ الحياة. على الطاولة الطويلة في غرفة الطعام، جلست أخته الصغرى، وخالته، وكأن الزمن توقّف بانتظاره. لم يلمس أحدٌ قطعة خبز واحدة.
جلس فينسيوس في صدر الطاولة، ألقى نظرة عابرة، وقال بصوته العميق:
ـ يمكنكم البدء.
تحرّكت الأيدي بعد كلمته، كأنما نزل الإذن من العرش. أنهى فطوره بهدوء، قبل أن تتنهد خالته وتقول:
ـ فينسيوس... غدًا تُكمل عامك الواحد والثلاثين. وأنت ما زلت أعزبًا، وحيدًا في هذا القصر.
نظر إليها بنظرة خاطفة، ثم أعاد فنجانه إلى الصحن وهمس دون أن يرفع صوته:
ـ لا تذكري هذا الكلام مرةً أخرى، خالتي. لن أتزوج. لا وقت للضعف.
ثم وقف، التقط سترته، وغادر القصر دون مزيد من الكلمات.
---
وصل إلى مقر شركته، تلك التي تُعدّ الأضخم في العالم. ناطحة سحاب تحرسها أنظمة أمن لا تخترق، ويديرها عقل لا يُخطئ. ما إن دخل من الباب حتى التفتت العيون إليه: عيون تُعجب، وعيون تخاف، وعيون تحسد... لكن لا أحد منهم يجرؤ أن ينطق بكلمة أمام فينسيوس.
دخل مكتبه الواسع، باردًا كما اعتاده الجميع. وفور جلوسه، طرق باب المكتب مساعده الأيمن "ريكو"، ثم دخل حاملاً ملفاً بين يديه:
ـ سيدي... الصفقة مع ألبرت أُلغيت. سحبوا عرض السلاح في اللحظة الأخيرة.
لم يبدُ على وجه فينسيوس أي انفعال. فقط نظر إلى ريكو نظرة قصيرة، ثم قال:
ـ ألبرت...؟ جيد. يبدو أنه بحاجة إلى درس جديد في الوفاء.
ثم نهض من كرسيه، وأغلق الزر العلوي لبذلته قائلاً:
ـ حضّروا لي الطائرة. سننهي هذا بطريقتي.
--: ظلال القصور
الظلام لا يسكن الشوارع فقط... بل يسكن القلوب أيضاً.
في أحد أركان إيطاليا الباردة، حيث تُخفي الضبابُ وجوهَ القتلة، عاش فينسيوس، رجلٌ لا يُقال عنه سوى أنه "الخطر حين يبتسم". زعيم المافيا الذي لا يثق بأحد، حتى ظله لا يمشي خلفه دون إذن. يسكن قصرًا يُشبه المتاهة، تعيش فيه معه أخته الصغرى، وخالته التي تحوّلت من امرأة حنونة إلى ظلٍ خائف لا ينام.
فينسيوس لا يؤمن بالحب... فقط بالولاء والدم. لكن القدر لا يستأذن أحدًا.
وفي الجانب الآخر من المدينة، كانت كلوي تنمو كزهرة محاصرة في قفص. تعيش مع عمّها الثري، الذي ظنّ أن المال وحده يُربي الأرواح. لا يسمح لها بشيء، لا يلبّي أمنياتها، ويقارنها دائمًا بابنته المدللة. كانت كلوي تصمت، تبتسم، وتحبس الدموع... لكن قلبها كان يصرخ: "أنا أستحق أكثر."
حين تلتقي العوالم المتضادة... لا يعود أي شيء كما كان.
بعد ساعة فقط، هبطت الطائرة الخاصة على مدرجٍ معزول في إحدى ضواحي شمال إيطاليا، حيث يقيم ألبرت، رجل الأعمال والوسيط المعروف في صفقات الأسلحة. خرج فينسيوس من الطائرة دون أن ينظر حوله، لا حراسة، لا تردّد، وكأنه يدخل واحداً من قصوره.
الهواء كان ثقيلاً، والسماء ملبّدة، كأن الغيوم شعرت بوجوده فقررت أن تحبس أنفاسها.
دخل القصر العتيق بخطوات ثابتة، وحين سمع ألبرت صوت الأحذية تقترب من البوابة، أسرع بالخروج من مكتبه بارتباك واضح. كان رجلاً في الخمسين من عمره، ذو لحية مشذبة ووجهٌ متعرّق، يحمل نظرة رجلٍ لعب بالنار... ثم ندم.
ـ فينسيوس! لم أتوقّعك بهذه السرعة...
قاطعه فينسيوس دون أن يمدّ له يداً أو يُلقي تحية، قال بصوته الواثق:
ـ لا مجال للتراجع، ألبرت. الصفقة يجب أن تتم. قلتَ لي إن البضاعة جاهزة.
بلع ألبرت ريقه، وبدت ملامحه تنكمش تحت ضغط المواجهة:
ـ فينسيوس... أنا آسف، لكن... المافيا التابعة لألكسندر استولت على الشحنة. لم أستطع إيقافهم. لم يبقَ لديّ شيء.
سادت لحظة صمت، لحظة كانت كافية ليرتجف فيها قلب ألبرت. اقترب منه فينسيوس بخطوة بطيئة، ثم نظر في عينيه نظرة حادة كالسيف، وقال بصوت منخفض لكنه قاتل:
ـ لن أمررها لك مرور الكرام، ألبرت. أنت تعرفني... ولا أحد يخدعني ويبقى على قيد الحياة طويلاً. سأعود... لكن بعد أن أُصفي حسابي مع ألكسندر.
ثم استدار دون أن ينتظر ردًا، تاركًا ألبرت واقفًا مكانه، يشهق كمن نجا من موتٍ مؤقت.
--- الاصطدام القدر
في الجهة الخلفية من القصر، كانت خطواتٌ خفيفة تركض على الحصى البارد، يتبعها شهقاتٌ متقطعة... كانت كلوي، بوجهٍ أحمر كحبة طماطم من شدة البرد، ودموعها تنساب على خديها كأنها لا تجد مأوى سوى الأرض.
خرجت من البوابة وهي ترتجف، قلبها يعتصر من القهر، فعمّها ألبرت من جديد قتل لها حلمًا بسيطًا، حلم أن تشارك في حفلة الباليه السنوية للجامعة.
ـ "قال المدير إنك ممنوعة من المشاركة، بأمر من عمك."
قالها أمام الجميع... وكأنها لا شيء.
بقيت تمشي دون أن ترى الطريق، حتى اصطدمت بجدار بشري صلب، جدار لم يكن سوى جسد فينسيوس، الذي كان يخرج لتوّه من بوابة القصر.
اصطدمت به بقوة لدرجة أن رأسها ارتدّ إلى الخلف، وكادت تسقط لولا أنها تمسكت بجدار البوابة.
رفع فينسيوس عينيه، وقد ظن في البداية أنها مجرد خادمة متهورة، لكنه حين نظر للأسفل قليلاً... رأى وجهًا صغيرًا مبللًا بالدموع، بعينين متورمتين وشفاه زرقاء من شدة البرد.
لم تعره أي انتباه، اكتفت بأن رمقته بعين باكية، مليئة بالحزن والانكسار، ثم تجاوزته مسرعة إلى داخل القصر.
وفي لحظة نادرة، شعر فينسيوس بشيء غريب... شيء يشبه وخزة صغيرة في صدره، شيء لم يُسمِّه بعد.
توقف للحظة، قبل أن يهمس لنفسه:
ـ "عاهرة حمقاء..."
قالها بلا شعور، كعادته حين يرفض أن يتأثر.
لكن خطواته كانت أثقل قليلاً، ونظرته بقيت معلّقة بباب القصر الذي أغلق خلفها.
---
ركب سيارته، وأمر السائق بالتحرك. قلبه عاد إلى وضعه الطبيعي، أو هكذا ظن.
وصل إلى مقر البورصة العالمية التي يُدير منها جزءاً من استثماراته، دخل إلى غرفة العمليات، وأصدر أمرًا واحدًا:
ـ دمّروا نصف أسهم ألكسندر في السوق. أريد أن يشعر بما يعنيه اللعب معي.
قالها ببرود كأنما يطلب قهوة لا انتقاماً.
وبينما كانت السوق تهتزّ تحت قبضته الحديدية... لم يكن يعلم أن دموع تلك الفتاة التي اصطدمت به قبل قليل، ستترك في قلبه جرحًا أعمق مما قد تفعله رصاصة.
---
--: انكسار
دخلت كلوي القصر بخطوات متعثرة، وقلبها لا يزال يئنّ من الداخل، لم تستطع أن تتحمّل أكثر. صعدت الدرجات بسرعة، ثم انحرفت جهة مكتب عمّها الذي ما زال صدى صوته الجاف يرنّ في أذنيها.
فتحت الباب بعنف، وصرخت بصوت مرتجف:
ـ لماذا تفعل بي هذا؟! لماذا تمنعني من أبسط أحلامي؟! ماذا فعلتُ لك يا عمي؟! لماذا تكرهني هكذا؟!
رفع رأسه من خلف مكتبه، عيناه ضاقتَا من الغضب، ثم وقف فجأة. اقترب منها بسرعة وصفعها على خدها بكل قسوة حتى كاد الهواء أن يُنتزع من رئتيها.
ـ تحمّلتك بما فيه الكفاية يا كلوي... اسكتي! قبل أن أقتلك بيدي!
قالها بصوت غليظٍ جعل جدران المكتب ترتجف.
وقفت كلوي مذهولة، يدها على خدها المتورم، وعيناها تدمعان بلا توقف، لم تصدّق أن من ربّاها يومًا صار الآن يُهدّدها بالموت.
تابع ألبرت كلامه وهو يحدّق بها كأنها غريبة:
ـ أنفقت عليكِ، أطعمتك، أسكنتك هذا القصر... فلتكوني ممتنة، لا عبئًا إضافيًا في حياتي!
ثم استدار، دخل مكتبه وأغلق الباب خلفه بقوة، وكأن وجودها يؤذيه.
تجمدت كلوي في مكانها، ثم همست بصوت مكسور:
ـ أنا لستُ عبئًا... أنا لستُ شيئًا ثقيلًا... أنا فقط... أردت أن أعيش.
انهارت على الأرض، وبدأت تبكي بحرقة، وحدها، بلا أحد يمسح دموعها.
في تلك اللحظة، وُلد في قلبها شعور غريب... شعورٌ بالوحدة، بالغضب، وربما... بالحاجة إلى الهروب.
---
من جهةٍ أخرى، جلس فينسيوس في مكتبه الزجاجي الواسع، يُتابع أرقام البورصة تتهاوى تحت ضرباته المالية. ابتسم ابتسامة قاتلة، ثم قال لريكو:
ـ ألكسندر سيتمنّى الموت قبل أن أصل إليه... لكنّي سأجعله يراه كلّ يوم.
لكن رغم ذلك... وفي أعماق عقله، ما زالت عينا تلك الفتاة الحزينة تلوحان كسراب لا يزول.
---
نهاية الفصل تصويت اذا عجبكم الفصل و شكرا
رواية ضحية قدر الكاتب نور عطاءلله 🌷 💗