⛓️أغلالٌ مقيدة⛓️

⛓️أغلالٌ مقيدة⛓️

19 0

«حينَ كانَ، ولَم يعُد»

أيُدرِك العقْل هذا الكم الهائِل من الأحداثِ المتتالية؟ وما هذه إلّا بِضعةُ كلماتٍ وسطورٍ تسرُد جُزءً ضئيلًا مما عيشَ في الواقع.

حِينَ كانَ ذلك بالأمس... أمسٍ مضى عليهِ ستُّ سنواتٍ مِن الآن، ومازالتِ الذكرياتُ تداهمُ مضجعي، تحتَكِرُ راحتِي، وتستدعِي الدَّمع مِن محاجري.

.

.

.

.

"نُور" كانَ إسمًا منحني إياه والداي بعد أن رزقهُم اللهُ بطفلٍ بعدَ سنواتٍ من الصبر، في يومٍ كانَ الأسى يلتفّ حول عائِلتي التي فقدتْ عزيزا لها. وُلدت أنا وأنرتُ حياتهُم بوجودي.

عكسهما، لم أرَ في ذاتي سوى الظلام، فتاةٌ لم تَكن كأيّ طفلٍ تلعَبُ وتُشاكِسُ في الشارع، بل بقَدمٍ قيدها عرجٌ عن الحركة.

لطالمَا تردّدَت همساتُ والدتي إلى مسامعي حين أنام، مواساتُها لي وبل إصابتُها لعين الحقيقة، حينَ تقول: "نورُنا الصغيرة، أنتِ هديةٌ مِن الله لنا، والله إن أحبّ عبدًا قرّبهُ مِنه، أتعرفينَ أن ما فيكِ سمةٌ تُميزُك عن غيرك؟ الله لا يضعُ فينا سوى ما يُخبرنا أننا بشر، وهو الوحيد كامِلُ الأوصاف."

كُنتُ أرَ كَلِماتها مُجرّد شفقةٍ لا تُرجى مِنها، وأن عرجي ليس سوى عيبًا لا يُغتفَر... وكم أدركتُ مدى حماقتِي وغبائي بعَد فواتِ الأوان.

بَعدَ أيَّامٍ هادِئة تخللها دِفءٌ صامت يحيطُ كُل ركنٍ من أرضِ بلادِي، اخترقَ ذلكَ الصمتُ صوتُ المدافِع، والرّصَاصُ الذي انهَمرَ كغيثٍ يسقي الأرض، لكنها فقط سُقيت بالدِّماء، ودماءُ من؟ أبناءُ الأرضِ نفسها، تلاشى وجودهم لتندثر أجسادُهم تحتَ التُّراب.

مُلأتِ الشوارِعُ بالأنقاضِ، والمنازِل التي انتصبَت بشموخٍ في السَّابق، لم تغدُ سِوى رُكامًا يحتَضِنُ ذكرى مَن عاشوهُ يومًا.

بينَ ليلةٍ وُضحاها، انقلبت حياتُنا المُسالِمة لجحيمٍ لا يُحتَمَل.

وجاءَ طمَعٌ مريرٌ ليسرقَ وطننَا.

سلبَته مِنّا جيوشٌ ببِزّاتِهم الخضراء، وأحذيتهم التي دنّست أرضنَا الطاهِرة، بِأسلِحتهم التي تَقبِضُ أرواح شَعبِنا، بدبباتهم التي تحَفُر العُشبَ الأخضر وتَهدِمُ المساجِدَ ومنازِلنا العريقة، بينما جُلّ ما امتلكَهُ رِجالُنا بنادِقُ وأحصِنةٌ تشقّ الأرض كأنها تعرفُ الطريق إلى النّصر، وتنهب الريح بقلوبٍ لا تقلّ وفاءً عن فرسانها.

فِي ليلةٍ لن تُمحى مِن ذاكرتِي، تخللت إلي أُذني صرخاتٌ موجِعة امتزجت مع معزوفةِ القذائف التي صنعَتها أسلِحتُهم، شاهدتُ الذعر الذي انتشرَ في الخارج، والأجساد التي يخترِقها الرصاص، وحين وقفتُ شارِدةً أتأمّلُ الأفق بألمٌ مُريعٍ يعتَصر قلبي، والزمن يمر حولي كقرونٍ لا تنتهي، أعادَ وعيي إلى الواقِع سَحبُ أخي ليدِي، ثم انتشاله لي من الأرض حَامِلًا إيّاي فوقَ ظَهرِه، كَما فَعل أبِي معَ أمِي الكَفِيفة.

وخرَجوا بِنَا منَ منزِلنَا الذِي دُمّرَ نِصفُه، انهرتُ بِداخِلي على كُلّ ما جرى في لحظاتٍ قليلة، ولم تزِدني أنفاسُ أخي الثقيلة سِوى ألمًا لِما يمُرّ بِهِ من أجلي، لو لم يكن عرجِي يُعيقُ هروبَنا، لو لَم أكُن مُعيبةً ما كُنت لِأكونَ عبئًا عليه.

كان صمتٌ مخيفٌ يغتالُ صوتي، وغصةٌ في حلقي تمْنَعُ كلِماتِي من التَّحرّر، لكنني استطعتُ الهمْسَ بشيء ظننتُ أنّ أخي لنْ يسمعه:

"آسفة... أعتذر لكوني مُجرد عبئ"

دون أن يَلتَفِت إليّ، ودون أن يفقِدَ تركيزه عن الطريقِ بينَ ازدِحامِ النّاس سَمِعتُ نبرتهُ المُعاتبةَ على ما قُلت، بدفئٍ قال رغَم السّوادِ المُحيط:

"ولِما الإعتذار؟ أنتِ أميرتنَا ولستِ عبئًا، يَحِقّ لكِ أن تُدلَّلِي دائِمًا حتّى وسَطَ الدّمار"

.

.

.

كانَت آخِر كلماتٍ أسمعُها مِنه قَبْل أن يغيبَ هو وأبي لمساندةِ باقي الرّجال.

وتُرِكتُ أنا وأمي رفقةَ نساءٍ أُخريات، ندعو بأملٍ أن تنتهي هذه الحرب، وننتَظِرُ أي أخبارٍ عن أَحِبَائِنا.

يومًا، بعد يوم... الأيام صارت أسابيع، والأسابيعَ أشهرًا ومضت قرابة الثلاثِ سنواتٍ في الإنتظار.

أنهَكت هذه السنواتُ الموحِشة الجميع، أبطالُنا مازالوا يُقاوِمون، والنِّساءُ مازِلنَ يدعونَ، والحَربُ لم تنتهِ، ولَم نَسمع أيّ خبرٍ عنهُما.

كعادتِي كُلّ صباح حتى بقدمِي التِي تُعيقُ تحَرُّكاتي، ذهبتُ للبئر القريب لأملء الماء، وكانَت والدتِي الهزيلة من المَرض جالسةً على التُّرابِ وعيناها التي لا تُبصِر تتأمّلُ السَّماء.

أنهيتُ كُل أشغالِي في وقتٍ مُبكر لأتجه حيث والدتي، جَلستُ بِجانِبها، وتأملتُ السّماءَ معها. حين شعرت بمجيئي نادتني بصوتِها الدافء بَعد أن تعرّفت عليّ دون حتى أن أتحدث، قائلةً: "نور، صغيرتي"

همهمتُ ردًا عليها، بينمَا عيناي شارِدةٌ في الأُفق. اعتصَر ألمٌ مريعٌ قلبِي حينَ سمِعتُ أصواتَ إطلاقٍ قريب، وهمستُ بنبرةٍ يائسة وحنقٍ أظهر الإنزعاج في صوتي:

"متى تنتهي هذه الحرب والمُعاناة؟!"

سمعت والدتي كلماتي، لتلتفتَ إليّ بعد أن بحثَت عن مكاني بيديها، أمسكت بيدي وأحكمت عليها تزامُنًا مَع ردِّها بنبرةٍ مليئةٍ بالحنان والعزم:

"ستنتهي! لِكل بدايةٍ نهاية، ولا بُدّ أن تنتهي هذه المُعاناة.

صغيرتي يجب ألا تنسي أن لدينَا ربٌ لا ينسى عِباده، ليسَ لنا سوى الصبْر، وستكونُ نِهايتُنا مُرضيةً تمَامًا"

ختمت كَلماتها بابتسامةٍ دافئة عَكسَ الأجواءِ الخانقة التي تُحيط بنا، ولم يَكن لي سوى التّنهد. غمغمت شاعُرةً بالحُزنِ على حالِنا وبدا الإستياءُ على ملامحي.

رغمَ كلماتها المُريحة، إلا أن الأمَل طالَ حتى ضِقتُ ذرعًا مِن كُلّ ما يحدُث معنا. أنا حتى لا أعلَمُ حال والدي وأخي الأصغر.

نهضتُ أنفُضُ التّرابَ عن ملابسي، واتّجَهتُ للِداخِل بعدَ شعوري بضيقٍ يلتفّ حول صدري ويخنقني بِشدة.

ومرّ يومٌ آخرُ ألّفْنا فيه معزوفةَ القذائف.

لكن... ليت ليلتنا مرّت كباقي الليالي، بل ليتها لم تكن سوى كابوسٍ آخر لعبَ بخلايا عقلي، وحرّر دمعًا حارًّا من جفنيَّ.

لكنّها كانت واقعًا، أشدَّ بؤسًا من أوّل ليالي الحرب التي عشناها. حينَ افترشنا الأرض، يعانق الوسنُ أجفاننا، وأجسادُنا المنهكةُ تُطالِب بالنوم، اخترق آذانَنا صوتُ إطلاقٍ قربَ مكاننا، وصراخٌ جعلَ قلبي يفقد آخر خيطٍ مُتمسِّكٍ به، وأسقطه إلى معدتي من شدّة الخوف.

ارتعشتْ يداي وهما تقبضان على موضع قلبي، ثمّ تشوّشت مقلتاي بدمعٍ حارقٍ أوقد لهيبًا داخل جوفي. أتَوا ولحقوا بنا، ها هي النهاية التي ذكرتها والدتي قد حانت، ربما الموتُ قرّر احتضاننا أخيرًا ليريح أرواحنا التي أنهكها الأمل البعيد.

ويا ليت الموت أخذني قبل أن أعيش ليلةً كهذه، وليت الحياةَ سُحبت مني قبل أن أُبصر ما سرق آخر بذرةِ أملٍ لديّ.

في ذلك البيتِ المتهالك، حيثُ احتمت تحت سقفه نساءٌ من البلد، اقتحمهُ جنودٌ بخطواتٍ ملوّثة، يشوّهون النقاء بداخله، بأفواهٍ يسيل لعابها، وأعينٍ تلمع بخبثٍ كمفترسٍ وجد فريسته المرتجفة، التي سُحب لون عينيها وهي تعدّ الثواني بانتظار افتراسها ونهايتها البائسة.

ويا للعار الذي لوّثوا به صفحاتهم السوداء، وزادوها سوادًا، لم يقتلوا النساء، بل تفنّنوا في تعذيبهن، ليس بالضربِ أو بتر الأطراف... بل بسلبهنّ أغلى ما يملكن.

أُشهرت فوهات أسلحتهم على رؤوسنا، وجمعونا وسطَ تلك الغرفة التي اعتدنا التجمّع فيها، ثم اقترفوا بشاعتهم مدنّسين هذا البيت الطاهر، والأجساد البريئة.

انتحابهنّ لا يزالُ يزور أحلك كوابيسي، وترجّياتهنّ العقيمة التي لم تزِد سوى من متعة الأوغاد، وتهشم قلوبنا.

وبينما دمعاتي تكاد تحرق وجنتيّ، وجسدي الذي خارت قواهُ جاثٍ على الأرض الباردة بوَهَن، ألوم عرجي الذي أضعف كياني، وكل ذلك لم يزِد سوى من اشتعال الفتيلةِ بداخلي.

نارٌ مسعورةٌ هوجاءُ لا يمكن التحكّم بها تشتعل كلّ ثانية، ويداي ترتعشان مع احمرار وجهي بغضبٍ قد يفجّر فتيل كلّ شيء.

أجبرونا على مشاهدة كلّ دناءتهم، يحسبون أنّهم بذلك يذلّون أبناء الوطن باغتصاب شرفهم، وأنّهم يهينوننا بتجاوز محرماتنا، لكنّني أعلم... أدرك كم يجعلنا ذلك نزداد لهيبًا مستعرًا قد يحرقهم يومًا.

قاطع خلوتي المريرة صوتُ أمي الثابتُ بشكلٍ غريبٍ في خضمّ هذه الأحداث، والذي أعاد خلايا دماغي إلى مكانها الصحيح، حينَ ضرب سهمها أعماقَ إدراكي:

"نور، لا تنسي أنّ الله معنا! وإن متنا هنا فإنّه سيردّ لنا استحقاقنا، بل سنكون شرفاءَ رفيعي المكانةِ في السماء. فقط لا تستسلمي للشيطان وهمسه، نحنُ أشرف من أن يتم تدنيسنا هكذا."

أتعجّبُ دائمًا من قوّتها هذه وإيمانها القويّ رغم كلّ ما يحدث، وكم أحبّ نبرتها هذه حين تُوقظني من انغماسي في تفكيرٍ كثيرٍ لا طائل منه.

لكنّني أدرك... أعلمُ أنّها تعاني أكثر مني، فأنا أشاهد وأسمع كلّ شيءٍ أمامي حتى بات كلّ شيءٍ مقرفًا. لكن هي... من تسمع الاضطرابَ ولا تُبصر ما يجري، تتمتم بالدعاء وتنتظر أن يأتي دورها بغتةً، وتُسحبُ روحها للسماء.

كنتُ سأغمضُ عينيّ بأسى للمشهد المريع أمامي، لكنّ لمعةَ البندقيةِ جعلتني أتراجع عن قراري. ثمّ فجأةً تسلّل إليّ أنينٌ خافت، فنظرتُ لجانبي فرأيتُ والدتي، كفّها متموضِعٌ على بطنها وملامحها تشي بألمٍ مقيتٍ يسكنها.

ارتعش جفناي وارتفع صوتي بقلق أسألها إن كانت بخير، متجاهلةً كلّ شيءٍ حولي، فحتى الحياةُ أصبحتْ لا شيء أمام ألمها، ليته فيّ ولا فيها.

لكنّ نبرتها الهادئة التي خرجت مرتعشةً قليلًا بسبب عبرةٍ خانتها، وحجبت كلماتها، جعلت جسدي يبردُ بشدّة كأنّ صقيعًا مجمّدًا مرّ عبر أطرافي:

"آه يا نور... حبيبتي الصغيرة، كم أنا ممتنّةٌ على نعم الله عليّ، وحبّه لأمّك الضعيفة هذه حتى يريحها بموتةٍ مشرّفة. ربما كُتبت لي الشهادةُ هذه اللحظة...

فيا أجمل من وضَعَ كياني، لا أريدُ من الحياةِ أن تكسرك، ولا أريد من الدنيا أن تجعلكِ تنسين من خلقك. الموتُ سنّة الحياة، ومكتوبٌ على الجميع مرافقته، كما تعلمين صغيرتي، الأرض ليست لنا، إنّما مكانٌ مؤقّت زرناهُ وعشنا فيه لأجلٍ مسمّى، والجنةُ بإذن الله هي موعدنا، وموطننا الأصلي... إيّاكِ والانكسارُ كطيرٍ جريحٍ ليس له أحد، معكِ الله، ومعه لن يكسركِ شيء. تذكّري أن تدعي إليه أن يكتبَ لنا لقاءً آخر في الجنة، مع والدك وأخيك.

تذكري دائمًا أمّك تحبّك."

رغم عدم مناسبةِ المكانِ لكلماتٍ كهذه، ولا الأجواءِ الصاخبةِ بترانيمٍ عذبةٍ لآذان الشيطان، إلا أنّ لحظتنا تلك لم تُقطع، وصوتها المتقطّع وصل لقلبِ فتاتها المحطّم، ولملم بعضًا من فُتاتِ أنقاضه.

وكانت آخر كلماتها تنضحُ حبًّا بنبرةٍ عطوفةٍ دافئةٍ حرّكت كمًّا هائلًا من الجبال المتراكمة بداخلي، أنا "نور" التي شاهدت انتفاضةَ الجسدِ الهزيل لوالدتها، ولفظها أنفاسها الأخيرة بعد سماعها اعترافي الأخير بابتسامةٍ متذبذبة:

"ماما، نور تحبّك أيضًا!"

ماتت أمّي بوجهٍ يشعّ نورًا دون أن يلوّثها جُرمُ الجنود، والذين شاهد بعضهم هذا الموت بابتساماتٍ ساخرة، حين صدع صوتُ أحدهم وهو يقول بسخريةٍ بلغةٍ ركيكةٍ متعمّدة، وهو يحدّق فيّ بنظراتٍ خبيثة:

"أوه، انظروا لهذا العرض، ماتت خوفًا قبل أن يصل دورها... لقد نقصت واحدةٌ الآن، كيف سنعوض هذا؟"

لم أكترث لما قاله لأنّني لم أسمع لحظتها ولو جزءًا ضئيلًا من الأصواتِ حولي، عينيّ هامتا في ركنٍ من زوايا الغرفة، تائهةً أبحثُ عن روحها، لربما أراها تحوم حولي.

"لا حول ولا قوّة إلا بالله، إنّا لله وإنّا إليه راجعون."

كان ذلك ما خرج من ثغري حين أدركتُ الواقع المرّ، وطلبتُ الصبر من العزيز الحكيم... هو اختارها بين الجميع لتُكتب شهيدةً بإذنه إن شاء، أنقذ جسدها من الانتهاك، وأخذ روحها لترتاح أخيرًا.

لكن... ما بال روحي تطالبُ بالخروج أيضًا، وقلبي يأبى التوقّف عن الرنين في أذنيّ، وما بي أصرخُ وأتعثّر بين قبضاتهم كدابّةٍ تئنّ لا سبيلَ لها.

وما كاد أحدهم يخدش جسدي بعاره إلا واتّقدت عيناي بالنار، وأضرمت صدري بها، وتركتُ العنان لمشاعري، فانقضضتُ أعضّ يده بأسناني، ويداي تخدشان جلد بزّته التي حمت جسده.

وحين وصل إلى مسامعي تعليق أحدهم ضاحكًا:

"يا لها من قطةٍ شرسة، سيكونُ من اللطيف ترويضها."

لم أحتمل أكثر، وفاض الكيلُ بي، فشققتُ بأسناني جلدَ رقبةِ الجندي الممسك بي، وقطعتُ وريدها، منهيةً حياته في غمضة عين. ارتفعت الشهقاتُ المتفاجئة حولي وهم يشاهدون الدماء تنسابُ من ثغري المبتسم نزولًا إلى ملابسي، وإلى رفيقهم الذي افترش الأرض ورقبته تضخّ الدماء.

ورأيتُ نظرةً من الأملِ ارتسمت على وجوه الفتيات اللاتي شاهدن جريمتي، ولا أعلمُ من أين أتتني هذه القوّة بجسدي الواهن الذي لم يذق الطعام لأيام، ولا من أين امتلكتُ الجرأة لأقتلَ روحًا... أأُعتبرُ آثمةً بهذه الجريمة؟

ثم انهار جسدي براحةٍ على الأرض، وشاهدتُ بطرف عيني جنديًّا منهم يوقف رفاقه ويتقدّم لرفع جسدي الملقى كالجثّة، بينما لمحتُ لمعةً طفيفةً من الشفقةِ في عينيه.

لم ينقصني سوى شفقةٍ من مجرمٍ لوّث حياتي المخزية هذه.

ثمّ لم أستيقظ بعدها سوى في عربة الأسر، مع آخرين من أبناء جلدتي، لكنّني كنتُ مميّزةً عن الباقي كأسيرةٍ "رفيعة المكانة"... يا للسخرية.

.

.

.

وُضِعتُ في غرفةٍ صغيرةِ الحجم، وليس في خِيَمٍ متهالكة مع الباقين، كالسجنِ تمامًا، مع نافذةٍ صغيرة أعلى من أن أصلَ إليها.

كان الجندي ذاته يزورني فيها، بوجباتٍ تُثير اللعاب ولا تتناسب ولو قليلًا مع رهائن حرب، ولم تكن الجدران رفيقتي الوحيدة في وحشة المكان وقلبي الأجوف.

كان يأتي كلَّ ليلةٍ لي خصيصًا، يناديني بألقابٍ دافئة، يُحضر لي طعامًا لم أحلم به يومًا في حياة الحرب هذه، ويغدق عليّ أحيانًا بدفءٍ لا مثيل له، يواسي حزني، ويطبطب على جروحي.

ورغم حقدي العميق تجاهه هو وبني جلدته الأوغاد، إلا أنه آنس وحدتي، ورغم إنكاري الشديد لذلك، أنا... ألفتُ وجوده، حتى الأيامُ تبهت لديَّ حين يغيب.

كان يملأ الفراغ فقط، يجعلني أخرج من قوقعة الحزن التي أنا فيها، حتى لم أعد أعرف للوحدة طريقًا.

أكرهه، وفي الوقت ذاته أمقتُ غيابه.

وهذا أكثرُ ما أرعب دواخلي، أخاف أن أتيه وأنجرف في طريقٍ آخر أعرف بالضبط ما هي نهايته.

وبالتأكيد لن أستطيع السيطرة على التيار بأي حال.

.

.

.

يومًا بعد يوم، يزداد تقرُّبه إليّ، وفي كل مرةٍ يتودد أكثر من سابقتها، ويحاول اختراق جدراني السميكة، وأنا - بالرغم من دفء سريرتي - لم أنسَ ولو للحظةٍ مبادئي وديني، صادّةً إياه بكل جوارحي.

"لو أعرفُ فقط ما الذي قد يجعلكِ سعيدة، لدفعتُ عمري بأكمله من أجله!"

كان يتذمَّر بلطفٍ إلى جانبي، غير عابئٍ بعينَيَّ اللتين تقدحان السموم تجاهه، لأجيبه بنبرةٍ باردة، هامسةٍ بحقد، دون اكتراثٍ لمشاعره:

"آه... سأسعد لو تموت ذبابةٌ مزعجةٌ تثرثر إلى جانبي."

لكنه، عكس توقعي، لم ينزعج، بل اتسعت ابتسامته بانتصارٍ وحالميةٍ شديدة، وأدركتُ أنها كانت المرة الأولى منذ أُسرت هنا التي أبادله الحديث فيها. وإن كان سامًّا، فهو لا يمانع... فقلبتُ عينَيَّ، متمتمةً بحنقٍ عن جنونه، رغم اهتياجِ قلبي بتلك الابتسامة.

حاولتُ المقاومة، حاولتُ الفرار من وحش المشاعر هذا، لكنه طوَّقني ولم أستطع الفرار، كنتُ سابقًا لا أنظر إلى ظلِّه حتى، والآن أصبحتُ أرسمُ تقاسيم وجهه في مخيلتي كأنه تمثالٌ ما.

وفي إحدى الليالي أدركتُ بأني وقعت...

غاب ليلةً واحدة بعد أن واصل زيارتي في كل الليالي السابقة، فجأةً خلَّف فراغًا غلَّفته ظلالٌ ثقيلة أجثمت على صدري. وتذكرتُ ليلة وفاة أمي الحبيبة، التي لم ولن أنساها يومًا ما حييت، وطوال السنة المنصرمة حافظتُ على قلبي مغلقًا بسلاسل لا مفتاح لقفلها.

كل ليلةٍ أدعو لها، ويغلبني البكاءُ في لحظات، لكني مع هذا... تمسكتُ بالأمل، وحاربتُ اليأس بقدر استطاعتي.

وهو فقط يأتي، متجاوزًا جميع الحواجز التي وضعتها... فيحطم القفل محررًا قلبي.

السكونُ الذي أطبق على تلك الحجرة الباردة يخنقُ أواصلي باستمرار، مقتُّ الحائط الذي كان رفيقًا يومًا أشكو له وحدتي وبأسي، وعيناي تأبيان العناق حين زارني الأرقُ مؤنسًا في هذه الليلة... ولم يزد سوى من وحشتي.

"بئسًا على قلبٍ عصى صاحبَه."

تمتمتُ بضيق، وقبضتي تضرب بخفة على أيسر صدري، تمنيتُ لو أستطيعُ اقتلاعَه وإنباتَ قلبٍ آخر لا ينبضُ سوى لحياتي أنا... كيف له أن ينبض ليهوديٍّ اغتصب وطني؟

"ليتني متُّ ليلتها ولم أشهد يومًا كهذا."

لم أعد أطيق الوحدة، وعقلي فقد ذرات المنطقية المتبقية، لا زلت لا أعرف كيف لم يُصبني الجنون من كلِّ هذا... أنا فتاة الثامنة عشرة ربيعًا، من خاضت أهوالًا تفوق قدرتها على تحمل جزءٍ منها.

حسنًا، أنا متيقنةٌ بأن الصلاة هي السبب، حتى في خضم هذا كله لم أقطعها يومًا، أزداد تقربًا من الله، وأدعوه في كل ثانية... وهو كان يمدني بالصبر لأتحمل.

ومع هذا، أنا دائمًا ضعيفة...

.

.

.

"تبًّا لهذا القلبِ الخائن."

صرختُ بذلك وأنا أخدشُ الجدران بأناملي التي أُدمِيَت من ذلك، ولطختُ بياضها بأحمرٍ قانٍ زاد من جنوني. يومٌ آخر، أثورُ بقوة، وأصرخ منتحبةً بشهقاتٍ متقطعة، أنادي أيَّ أحدٍ لإنقاذي.

الغرفةُ شُوِّهت بدمائي التي نزفتها يداي، من جروحٍ سببتُها حين كسرتُ الحوض المعلق لحظة ثوراني.

هو لم يعد منذ أيامٍ لا أدرك عددها، تركني أتجرع الأشواك بين أربعة جدران، وترافقني الكوابيس نابضةً بصورٍ ومشاهد حية رُسخت في أعمق نقطةٍ بذاكرتي.

وجهي دامٍ بخدوشٍ سببتها أظافر يدي، عظامي أصبحت بارزةً على جلد بشرتي، حتى اللحم انعدم عليها. ولم أعد أعرف حتى من أنا.

صبرتُ حين تركتني أمي، والآن أنا وحيدة... ليس لي غير الانتحاب والصراخ، ليس غيابُه مؤلمًا بقدر وحدتي.

علّق قلبي البائس ورحل... كل من نبض لهم فارقوه.

الوحدة... فقط الوحدة.

تمنيتُ الموت مرارًا، ولم يخترني يومًا، وكانت "ليتَ" على طرف لساني طوال هذه الحرب التي لم تنتهِ.

.

.

.

"هاه... يا للمسكينة، ترك ماتيو قطتَه الشرسة تخدش بينما هو يعيش العسل مع الفاتنة الأخرى."

شخَر أحد الجنود فوق رأسي بسخرية، هو ورفيقه، بينما يشاهدان حالتي المزرية تلك، بجسدي الملقى على الأرض بإهمال... أجزم أن العفن ظهر على أطرافي ليرمقاني بتلك النظرة، ولم أدرك ما يقصده بكلماته تلك، إلا حين بادله صديقه بقهقهةٍ عالية أخطأتُ بينها وبين صوت الخنزير:

"شرسةٌ للغاية... لا أعرف حتى ما الذي دهاه لإنقاذها ذلك اليوم، وبل حتى أطعمها طعامًا لم يحلم به أسير هنا."

وهمهم الآخر مجيبًا إياه، وخرجا بعد أن شعرا بالقرف من الرائحة المنبعثة مني... هو حيٌّ، وأنا التي ظننتُ الحرب أخذته عني، يا للسخرية، إني أشعر بالقرف من ذاتي التي تعلقتْ بحثالةٍ مثله.

.

.

.

"كنتُ أتوق لتجربة مذاقك الفريد، لكنني وجدتُ أفضل منكِ... انظري إليكِ الآن، أشبه بجرذِ مجارٍ."

لم أنسَ نظرات الاشمئزاز التي رمقني بها تلك اللحظة، ولأول مرةٍ أكره جمالي الذي تميزتُ به... أنقذني لفتنتي فقط، كان مثل أولئك القذرين، فقط ليتفرد بي وحده. ولأنني ذبلت يومًا بعد يوم، فقد اهتمامه بي.

خسئتَ أنتَ، وخسئتُ أنا الآثمة.

.

.

.

«لِمَ أتهم ذاتي بالإثم وأنا لم أقترف خطيئة، أو أتجاوز حدودي؟ أنا آثمة لأن قلبي خائن، خان وطنه بحبِّ مُحتلِّه. وخان صاحبَه بالنبضِ لغيره.»

.

.

.

حتى اللحظة، لا أعرف لماذا لم يتجاوز حدوده طوال الليالي التي قضاها حولي... ربما دعائي منعه، وخالقي حماني من ألمٍ قاتلٍ كهذا...

.

.

.

"الحبُّ لا يطرق باب القلب في وقتٍ مناسب، بل يهبه الله لنا رزقًا... ويبقى القرار بأيدينا: إما أن نحتضنه، أو نتركه يمضي؛ فالأول خارجٌ عن إرادتنا، أما الثاني فنملكه بكامل إرادتنا، وإن تمرد القلب."

.

.

.

في الحرب... تحدث مئات القصص لمئاتٍ من الأشخاص، وكان الفقد وجبةً رئيسيةً فيها، وكل أبطالها كانوا طيورًا حرةً يومًا، لكن الحياة قطعت أجنحتهم، وخلفت ندوبًا لا تُمحى على أرواحهم.

قُيدت أغلالٌ حول قلب فتاة خانتها الظروف، فحين وجدت أنيسًا لوحدتها، خانها الواقع الجاثم.

قلبها المسلم أحب يهوديًا، وكانت تعلم أن النهاية لن تكون ورديةً كأحلام المراهقين... خاصة وأن الشرارة وُلدت من رحم حربٍ قاسية، تجرعت فيها دماء، وفقدت فيها أحبابًا، وارتكبت جريمة بقتل روحٍ فيها.

.

.

.

مأساةٌ تلازم أزمانًا وشعوبًا، لا تعرف رضيعًا ولا شيخًا، تسلب الأرواح البريئة والآثمة، إمّا بالموت أو بالمعاناة.

......

فلسطين (قطاع غزة والضفة الغربية)... السودان... أوكرانيا... اليمن... سوريا... جمهورية الكونغو الديمقراطية... الصومال... ميانمار (بورما)... أفغانستان... إثيوبيا (إقليم أمهرة وأوروميا)... مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر... ليبيا... تشاد، وغيرهم.

وإن كانت نزاعاتٌ مسلّحة في بعضها، إلا أن الألم حارق، والحرب تسرق كلَّ ماهو جميل.

«فمن يواسي قلوبًا فقدت نبضها بغتة؟ ومن يعيد الحياة لأعين بهت بريقها»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أغلالٌ مُقيدة/Shackles

المؤلف رُوبـي🦋
2025/08/15 مكتملة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة