لا تلتمِس لي سبعين عُذرًا، كُل إساءاتي مقصُودة
.................................................................
الطقس الدافئ لليوم، ورائحة عشب الحديقة المختلطة بالتراب بعد هطول أمطار يوم أمس..
أسباب جعلت هـانا تخمن لما بالضبط والدتها التي تظل طوال الأسبوع مشغولة بعملها، تجلس الآن في الحديقة الأمامية لمنزلهم برفقة صديقتها العزيزة، والتي تكون بمصادفة القدر عمّة صديقها العزيز ..
أخذت هانا خطوات تقطع حديقة منزلها الواسعة بأشجار الزينة الموزعة على الجانبين، متوجهة للجالستين على طاولة مُعدة بعناية من قِبل الخادمات
وكعادة والدتها، كانت الطاولة تحوي العديد من أجود أنواع الشاي لها ولـ ألْبا هيل ــ عمة جوليان..
قد تتخلى الصديقتان عن أحد عقود الزينة المصنوعة من الألماس لأحد مشردين لندن، لكن لن تتخليا عن حبهما للشاي و الطاولات المزينة بالورود النضرة المقطوفة توًا من الحديقة، تمامًا كَسيدتان نبيلتان من عصر فكتوري! ..
كانت ـ آيلا روشفورد ـ هي أول من لاحظ قدوم إبنتها بخطواتها الرشيقة وجسدها الممشوق، لم تتغير جلستها وأكملت إحتساء الشاي من الفنجان في يدها..
لكن مع تركيزها على هانا التي كانت وصلت بالفعل خلف ألْبا تنوي مفاجأتها بإحدى حركاتها الطفولية، حتى لاحظت الأخرى نظرات صديقتها المتكررة على شئ في الخلف..
عقدت ألبا حاجبيها تحادث صديقتها الجالسة مقابلها بينما تحول نظرها لما خلفها: "إلى ماذا تنظرين في الخل..."
إمتنعت عن إكمال سؤالها ما إن رأت هانا الواقفة خلفها تماما بإبتسامة خبيثة على محياها الجميل، كأنها كانت على وشك أن تفتعل مقلبًا في المرأة التي تكون في مقام عمتها!
"يا لكِ من مشاغبة صغيرة!" قالت ألبا بينما تشد هانا من وجنتيها
"أوتش!! ..و يالكِ من نبيلة غير محترمة!" صرخت هانا بعبوث مزيف تبعد يدا ألبا من وجنتيها، تبتعد عنها بسرعة
"كيف تجرؤين!" شهقت ألبا بصدمة وكأن هانا نعتتها بأبشع الألفاظ بوصفها لها بأنها نبيلة وغير محترمة..
نبيلة وغير محترمة! ...يا له من عار!..
وقفت ألبا من مقعدها تتضح هيئتها الأنثوية الناضجة، بطولها المثالي وجسدها المتناسق، مع ملابسها العملية المختارة بعناية من شانيل وكعبها العالي من ذات العلامة التجارية الباهظة.
"هانا!، يبدوا أن دلالنا لكِ أفسدكِ يا صغيرة، تقولين عني غير محترمة، سأريكِ الآن كيف تتصرف السيدات غير المحترمات!"
"أوه لا، ألبا أقسم أنكِ الاجمل يا فتاة..انظري إليكِ كيف أصبحتِ أكثر فتنة وجمالًا! ..وماذا تستعملين بحق الرب لجعل بشرتكِ نضرة هكذا، حتى أنا ليس لدي مثلها!"
قالت هانا بسرعة من بين ضحكتها، لأن سيدة نبيلة معينة كانت تجري خلفها حول الطاولة تريد الإمساك بها والفتك وجنتيها المسكينتين..
ويبدوا أن تملق هانا لها نجح، لأن ألبا توقفت عن الدوران حول المنضدة خلفها تتسع إبتسامتها المغرورة مجيبة:
"لن أخبركِ، هذا سرّ لإبقاء جمالي المثالي لي وحدي"
سقطت إبتسامة هانا العابثة تبادلها بعبوس متمتة: "مغرورة!"
"عذرًا، أعيدي ما قلتي عزيزتي هانا، لم اسمعكِ جيدًا" قالت ألبا بغطرسة مصطنعة تعيد خصلاتها الداكنة المجموعة في كعكة عملية مضبوطة تماما ولا خصلة منها في غير مكانها..
"أمتدح جمالكِ الأخّاذ في عقلي يا إمرأة!" قالت هانا بجدية، في حين أخذت خطوات تضم ألبا بشوق، بادلتها الأخرى بحبور مردفة بإبتسامة :
" اشتقتُ لكِ حقًا يا صغيرة، ما بالكِ، أيجب علي أن آتي أنا كي أتطمئن عليكِ في كل مرة!، حتى أنكِ وباقي عصابتكم الصغيرة لم تعودوا تأتون لتقضوا الوقت مع جوليان في المنزل!"
فصلت هانا العناق بهدوء تبادلها الإبتسامة :
" آسفة ألبا، تعلمين المدرسة وما إلى ذلك، وبالمناسبة؛ بخصوص جوليان، كان من المفترض أن نلتقي جميعنا في بيت الشجرة أمس بـمعودٍ منه لكنه لم يأتي..!"
وقبل أن ترد ألبا على سؤالها، قاطعهما صوت آيلا الهادئ وهي لازالت في مقعدها تحتسي الشاي وتشاهد المقابلة الحارة لهما بصمتٍ:
"يُفضل المناقشات والحوارات الدافئة أن تكون على كرسي وطاولة بدلًا من الوقوف مثل المشردات"
في حين هانا تهكس لنفسها بأن والدتها المبجلة وأخيرًا استوعبت بأنها ليست إحدى فناجين القهوة أو مقاعد الطاولة ويمكنها التحدث مثل البشر، كانت ألبا سبقتها ترد عليها بإنفعال مزيف، تأخذ مقعدها ثانية على الطاولة مقابل آيلا:
"لا شأن لكِ يا ثلج القطبيّن."
قلبت آيلا عينيها على لسان صديقتها اللاذع، وراقبت إبنتها تأخذ مقعدًا على الطاولة بجانب ألبا تتجاهلها تمامًا، مكملة حديثها الذي قاطعته هي ..
"إذًا، ألبا، هل لديكِ فكرة عن لما إبن أخيك المثالي تخلّف عن موعده معنا أمس ولم يجب حتى على مكالمتنا؟"
"لا، لقد عاد في وقت متأخر من ليلة أمس، حتى أن دومينيك دعاه لتناول العشاء معنا ورفض، ظننته كان معكم وتناول عشائه!" ..
تحولت تعبيرات ألبا للقلق على إبن أخيها الذي ربته منذ كان طفلًا، وعندما لاحظت هانا قلقها حولت الموضوع للممازحة كي تقلل من قلقها:
"أوه! يبدوا أن عزيزكَ الصغير أضحى مشاغبًا يذهب لأماكن لا عِلم لنا بها..تظنين أن لديهِ حبيبة سرية!"
"أوه لا، لا تجرئي حتى على التفكير في عزيزي جوليان بطريقتكِ المُخِلة!"
بملامح مشمئزة أردفت البا، ترفض فكرة أن صغيرها ومدللها جوليان قد يكون في هذا النوع من العلاقات، والأسوأ أنه لم يخبرها حتى!
التمعت أعين هانا بخبث، وكأنها وجدت لعبتها المفضلة لليوم، وهي إيقاع جوليان في مشاكل مع عمته، لذا أردفت بهدوء كأنها شيطان خبيث متشكل على هيئة ملاك بوجه خلّاب الجمال:
"فكري جيدًا، ألبا!.. هو مؤخرًا يعود متأخرًا للمنزل، ولم يعد يجالسنا أنا والرفاق كثيرًا في المدرسة، أصبح نادرًا ما يذهب معنا لمنزل الشجرة متحججًا بأن لديه أشغال مهمة، تُرى ما هي تلكَ الأشغال؟"
'فتاة، تأخذ فتاها الصغير منها!'، توسعت عينا ألبا عندما توصلت لتلك الفكرة اللعينة التي أشعلت شعورًا بالضيق في صدرها..
"لا تسمحي لأفكارها السامة بالدخول لرأسكِ ألبا، كلنا نعلم طرقها الملتوية للعبث في الإرجاء"
مجدداً آيلا روشفورد تذكرت أنها ليست أحد المقاعد، تحذر صديقتها بطريقتها الجافة من عبث ابنتها المعهود
ومجددًا شعرت هانا بالإختناق لسماع كلماتها، بينما رمشت ألبا مرتين تخرج من أفكارها السوداوية في كيفية التخلص من حبيبة صغيرها 'التي لم تتأكد بعد إن كانت موجودة' ترد على صديقتها:
"ماذا لو كان كلامها صحيح آيلا! "
"أجل أجل، ماذا لو كانت تخميناتي صحيحة" أردفت هانا بنفس النبرة الخبيثة، ثم وقفت تتجاهل والدتها تماماً مرة اخرى..
وبعدما رمت الشكوك في ينفس ألبا بإمتلاك جوليان لحبيبة سرية تلهيها عن قلقها..
هذا أفضل من أن تقلق عن تغيراته الكبيرة هذه الفترة، والتي بات يلاحظها الغرباء قبلهم هم الأقرباء منه حتى!..
وقفت من جلستها، تغادر الحديقة بخطوات واثقة، هي بالأساس كانت ستخرج من المنزل لملاقاة إيمليانا في النادي، قبل أن يستوقفها وجود ألبا التي لم تراها منذ أكثر من شهرين في حديقة منزلهم
ألبا التي أكدت شكوكها بأن رئيس صفهم يعاني من مشكلات لم يخبرهم بها وهم أقرب أصدقائه ..
فكونه أخبر عمته أنه كان معهم في منزل الشجرة، بينما هو لم يكن، وكون أخاها دييغو وجد في غرفته كيس مخدرات
إشارات حمراء كثيرة باتت تشير بوضوح لوجود كارثة في حياة صديق طفولتهم، وهي ستعمل على الوصول لما يحدث بأي طريقة ممكنة.
.........................................................
"هاي! إيميلي! يا فتاة، ألا تنوين الرّد على هاتفكِ؟ لقد تشتّتنا بسببك!"
قالت إحدى الفتيات بسخط، مطالِبة إيميلي، الجاثية على الأرض، ترتدي قفازات الحماية البيضاء المطابقة لبقية زيها، بالردّ على هاتفها الذي رنّ إحدى عشرة مرة في آخر سبع دقائق..
رفعت إيميلي حاجبها مردفةً بلا مبالاة:
"ليس وكأنني المخطئة... فلتضعنَ سدادات أذن إن كان صوت هاتفي يضايقكنّ."
ثم نهضت من جلستها على الأرضية الخشبية اللامعة لغرفة التدريب الواسعة المخصصة للتدريب على رياضة الشيش، تلتقط حقيبتها وتخرج من الغرفة المليئة بالفتيان والفتيات الذين يتبارزون في ثنائيات، بجدية، في واحدة من أكثر الرياضات التي تتطلب تركيزًا وسرعةً وعدم تشتيت.
التركيز وعدم التشتت... الذي دمرته عليهم بصوت هاتفها.
لكنها... ستموت مطعونة بسيف الشيش الذي يبلغ طوله مترًا وعشرة سنتيمترات، ولن تعترف بأنها ضايقتهم أو تعتذر لهم.
دلفت إلى غرفة أخرى تابعة للنادي، لكن هذه، وعلى عكس سابقتها، كانت خالية من أيّ زملاء لها في التدريب. وما كادت تستمتع بالهدوء، حتى سمعت صوت صفع الباب يُفتح بقوة، ويطل منه أوليفر، بهيئته الرياضية وخصلاته النارية، التي لم ولن تضاهِ الشرر المتطاير من عينيه...
لم تتفاجأ بمعرفته مكانها أو توقيت وجودها هنا، فهما يعرفان جيدًا جداول بعضهما اليومية، خصوصًا الرياضية منها.
"صُنعت الهواتف، ليهاتف أحدهم شخصًا ما... ويردّ الطرف الآخر على المكالمة!"
قالها هادرًا من بين أسنانه، متقدّمًا إلى داخل الغرفة حتى وقف في مواجهة إيميليانا.
"أو يتجاهل الطرف الآخر المكالمة... له كامل الحرية في ذلك."
ردّت إيميلي فورًا بهدوء.
"إيميلي..." قال أوليفر بنفاد صبر، "أنتِ تتجاهلينني منذ البارحة، ولا تجيبين على مكالماتي. هل يمكنني أن أعرف السبب؟"
هو يعرف السبب، وهو من بدأ. مطّلع على ما حدث. لكن أن تتجاهله هكذا؟ هذا ما لا يحتمل، ويجعل حتى أبسط عملياته الحيوية... كالتنفس، أمرًا صعبًا عليه.
أعطته ظهرها، تتحرك نحو السيوف المعلّقة على الجدار، تلتقط واحدًا منها، تستشعر طرفه الرفيع الحادّ على أناملها، مردفة:
"لا أتجاهل أحدًا، ولم أكن في مزاج يسمح لي بالرد على مكالمات من أحد. ثم إنني لا أذكر متى منحتك الإذن باستجوابي."
التفتت ترمقه ببرود في نهاية حديثها.
مسح على وجهه بنفاد صبر، وتقدّم منها حتى بات أمامها تمامًا، يحاصرها بين الجدار المليء بسيوف التدريب وجسده. نظراته الغاضبة ارتطمت بنظراتها الباردة. مدّ يده، التقط سيفًا من خلفها، ثم انسحب من مساحتها، رافعًا السيف أمام وجهها تمامًا...
يدعوها لنزال.
يدعوها لتفريغ غضبها منه بطريقتها... بلعبتها الخاصة، والتي يعلم يقينًا أنها ستهزمه بها.
اللئيم كان يعلم تمامًا أن نزالًا معها هو ما يُذيب جدار البرود الذي تخلقه بينهما كلّما فعل شيئًا يضايقها.
ولتنكسر نظارتها العزيزة "جيني" التي اشترتها منذ يومين، إن أحبطت محاولاته في مصالحتها، أو فرصتها في القصاص منه على ما جعلها تكابده من قلق في آخر أربعٍ وعشرين ساعة...
فورًا، التقطت قناع الحماية ذي الشبكة المعدنية، لترى من خلاله، ارتدته، ودون سابق إنذار، اتخذت خطوة هجومية نحوه، رافعة سيفها عليه بحركة عدائية، مردفة:
"ضايقتكَ لأنني لم أجب على مكالماتك لمدة ربع ساعة؟! قضيتُ أنا وهانا أكثر من ساعتين نحاول الاتصال بكما، أنت ودييغو، البارحة! كدتما تتأخران على اختبارٍ مهم... أوه لا! لقد تأخرتما فعلًا. ثم عندما سألتك عن مكان اختفائك، لم تجبني؟"
"على رسلكِ يا فتاة!"
قال أوليفر، متصديًا لضربتها بسيفه بسرعة، متخذًا خطوات دفاعية إلى الخلف، "فوضى المدرسة، والحريق، ثم الاختبارات... كل هذه الأشياء شغلتني، لم أقصد تجاهلكِ... سنجابتي! أقسم لكِ."
"لا تنادِني سنجابتي!"
قالتها بحدة، فيما كانت الحركات سريعة متقنة، تبارزه بخبرة، بينما هو، بخبرته الضئيلة في رياضة الشيش مقارنة بها، كان يكتفي بالدفاع.
واللاعبون في هذه الرياضة معروفون بأن حتى الدفاع فيها يحتاج لتركيز عالٍ، بينما هو يفقد ما تبقى من عقله المعطوب كلّما اخترقت أنفه رائحة عطرها... فما بالك برؤيتها أمامه! تبارزه، تتحداه، وغاضبة منه...
وهذا شيء عليه حله الآن، وحالًا.
"ما سبب تأخرك وتجاهلك؟ أوليفر بريستون."
قالتها بنبرة هادئة، بينما كانت شراستها في الهجوم بالكاد يُمكن تفاديها.
هي بزيّ أبيض كامل مقاوم للطعنات تهاجمه، بينما هو بملابسه الشبابية، لا قناع واقٍ، ولا زيّ مناسب لعنف السيوف الحادة. كان يتصدى لهجماتها بكل رحابة صدر...
وقبل أن تنهي اللعبة بضربة جانبية تمنحها النقاط الكافية لهزيمته، ألجم حركتها، وأوقف يدها التي تحمل السيف في الهواء... كما توقفت أنفاسها عندما سمعته يقول بنبرة قلقة:
"دييغو وجد كيس حبوب مخدّرة في غرفة جوليان... على مكتبه. وذلك الكيس يحمل دمغة نقابة المخمل."
شعرت بالأرض تدور تحتها، وقبضتها التي اعتادت الإمساك بمقبض السيف منذ كانت في ربيعها الثامن، ارتخت... ترمي السيف على الأرض بإهمال.
"مستحيل!"
قالت بعدم تصديق، تنفي برأسها، "لربما كان شيئًا آخر غير المخدرات... هو لا يفعلها!"
رَقّت نظرته لما رأى دهشتها، لكن تلك هي الحقيقة... وعليهم تقبّلها. لذا رمى سيفه هو أيضًا، وتقدّم منها واضعًا كفّيه حول وجهها، يجعلها تنظر إليه، قائلًا:
"بل كانت مخدرات... وتلك الدمغة اللعينة تعني أمرًا أخطر بكثير مما كنا نظن."
"وكيف لهذا علاقة باختفائك أنت ودييغو؟"
قالت بعدم فهم، وموجات من القلق اجتاحتها.
"منذ أن عثر دييغو على ذلك الشيء، التقط صورة للكيس ليتأكّد أنه تابع للعصابة ذاتها، ثم أخبرني بعد أن تأكد. ولم نشأ أن نواجه جوليان فورًا، انتظرنا أن يشرح لنا هو... لكن طال الانتظار، ولم يُدلِ بشيء يُطمئن، فاضطررتُ ودييغو أن نتصرف..."
قال جملته الأخيرة، ناظرًا إليها بعينيه، منتظرًا سؤالها، والذي يعلم أنه قادم لا محالة.
"وكيف تصرفتما تحديدًا، أوليفر؟"
قالت بتوجّس، ترمقه بقلق لا يخفى..
ها قد أتى السؤال المرتقب، والذي كان يتجاهلها بسببه.
قال كلماته التالية بحذر، وسيشكر ربّ السماء إن لم يكن ردّ فعلها أكثر من مجرد ركلة من نافذة غرفة التدريب الواقعة في الطابق الخامس...
"تواصلنا مع... ـ بيرس آشويك ـ ، كي يساعدنا في العثور على مقرّ العصابة، لنتأكّد بأنفسنا إن كان جوليان يتردد على مكانهم، أو أننا ظلمناه... وهو طاهر، طهارة الماء المقدّس في أيام الآحاد؟"
"مــاذا فعلت؟!"
صرخت بصدمة، توسّعت عيناها، أزاحت يديه عن وجهها، وأكملت بعدم تصديق لتصرفاته المتهوّرة:
"أولي بريستون! هل تواصلتَ مع فتى في مثل عمرنا، اعتُقل مرتين بتهمة توزيع مخدرات على طلاب قاصرين في مدرسة؟! وخرج لتوّه من مصحّة لإعادة تأهيل المدمنين؟! كي يدلكَ على مقرّ عصابة تُعدّ الأخطر في كل أنحاء لندن؟!"
ابتلع ريقه، عاجزًا عن نفيٍ أو إيجابٍ لا يزيد الوضع سوءًا، ومن موقعه، بطوله الذي يتعدى طولها، رأى كيف كانت تناظره بعينيها العسليتين، كعيني ظبأة، فتحتي أنفها توسّعتا...
ستُبخره بنيران من أنفها تخرج الآن، يشعر بذلك داخله.
مُقسمًا أنه يفضّل أن تركله من النافذة على أن تقول ما يشعر بأنها ستقوله تاليًا...
"أوليفر... أنا أنفصل عنك رسميًا. لا أريد أن أرى وجهك القبيح مجددًا."
وما كان قلقًا منه... حدث.
تحركت تضرب كتفها بخاصّته بغضب، تتخطّاه، تخرج من الغرفة بأكملها، تاركةً إياه وحيدًا يناديها، يحاول استمالة أنثى السنجاب خاصّته، لكن لا مجيب...
مسح على وجهه بتوتر، وها قد أضيفت مشكلة أخرى لقائمة كوارثه لهذا الأسبوع.
عَلِقنا...
.........................................................
كان أدريان في غرفته، وبعد يوم شاق وطويل قضاه في الجامعة...
من المفترض أن تكون أمسيات السبت عطلة نهاية الأسبوع لأي طالب في أي مرحلة دراسية، وكان من المفترض أن تكون هذه الإجازة مختلفة؛ فبدلاً من السبت والأحد فقط، ستمتد لأسبوع كامل من الإجازات الأكاديمية استعدادًا لعيد الهالوين.
لكن في عائلة كعائلته، مجرد أخذ راحة ليومين يُعتبر ترفًا لا يليق بك، بل علامة على كونك عبئًا لا قيمة له.
وهذا ما يفسر وقوف أدريان في منتصف غرفته، بعد يوم طويل من إنجاز مهامه الجامعية والتدريب الخاص الذي يتلقاه. كان يجفف شعره بمنشفة بعد أن أنهى حمامه، وفي يده الأخرى يمسك أحد الملفات لمراجعة طلبات التحاق الطلاب الجدد بالكلية التي يرأسها والده، التابعة للجامعة التي يترأسها جدّه العزيز.
قطع صوت إشعار هاتفه سيل أفكاره.
ألقى الملف على المكتب الأسود الكبير الممتد على طول أحد جدران الغرفة، والتقط هاتفه ليتفقده. هناك، تجمّدت أصابعه على الشاشة، وبدلًا من ملامحه غير المبالية قبل لحظات، ارتسمت على وجهه ابتسامة ذئبية حالما قرأ الرسالة الواردة من رقم مجهول:
"أرجو أن منزلي أعجبكَ بينما كنتَ تراقبني، أدريان ثورن."
اتسعت ابتسامته، وعادت إلى ذاكرته صورة شعر ذهبي يتدلّى بالمقلوب من سطح سيارة.
بسرعة، أخذ يكتب ردًا، وقرر التلاعب: فما أجمل من اللعب النفسي بالفريسة قبل الانقضاض عليها؟
"جوليان روميرو، صدقني عندما أقول إن منزلك رائع، خصوصًا قاطنيه من ذوي الخصلات الذهبية."
وحين ظهرت العلامتان الزرقاوان الدالتان على قراءة الرسالة، أغلق المحادثة ووضع الهاتف في جيب بنطاله.
كانت هذه رسالة تحذير مضاعفة؛ فأدريان قادر على الوصول لأبعد من رقبة جوليان روميرو، صاحب الثامنة عشرة... كأصدقائه مثلاً.
وكما يراقب أدريان جوليان، -كان الآخر يفعل المثل- والدليل أنه حصل على رقم أدريان الخاص وسأله عن رأيه في المنزل كما لو كان يتحدث إلى صديق جديد.
هذا الأمر لم يثر قلق أدريان كما هو متوقع، لكنه كشف له شيئًا آخر... جوليان خطر داهم.
أخذت هذه الأفكار تعبث برأسه بينما كان يهبط من غرفته متوجهًا إلى الطابق الأرضي لتناول العشاء..
كان منزله كبيرًا... أو بالأحرى، قصره..
جدرانه عاجية اللون، ستائر مخملية حمراء قانية، وأرضياته من بلاط أبيض وأسود، وثريات ملكية تتدلى من السقف، خزفيات مرصوصة بعناية للتزيين والتفاخر...
كل شيء فيه يوحي أنك في قصر ملكي قديم أكثر من كونه منزل عائلة ثرية.
كانت صالة الطعام تواجه السلم الطويل المؤدي للطابق العلوي..
ومن مكانه أعلى السلم، رأى أدريان عائلته مصطفّين على مقاعدهم حول طاولة واسعة أشبه بطاولة مأدبة..
جلس جدّه على رأس الطاولة، بينما جلس والديه وأبناء أعمامه وعمته على الجانبين، في حين الخادمات يتحركن حولهم بإتقان كخلية نحل منظمة..
ومن حيث كان يجلس سيباستيان، شعر بنظرات حفيده، فرفع رأسه للأعلى، وحين التقت عيناهما، لمعت عينا أدريان بأذى، ولعق شفته السفلى، عازمًا على جعل الليلة ممتعة..
وبدلًا من النزول عبر الدرج كأي شخص محترم، جلس على الدرابزين وانزلق للأسفل بخفة، تحت أنظار جدّه المراقبة
قال مبتسمًا ابتسامة مختلة:
"عائلتي العزيزة! أتمنى أن يكون هذا العشاء الأخير لكم في هذه الحياة."
كانت عيناه مثبتتين على سيباستيان كما يفعل الأخير معه، في حين يتمنى لهم أن يخلدوا في الجحيم...
كان يحبهم... يحب هذه العائلة حتى النخاع...
....................................................
يقولون إن المؤمن تُصيبه المصائب ليُختبر إيمانه وقوة تحمّله...
أما جوليان، فقد تمثلت مصيبته الكبرى وابتلاؤه الأعظم في أربعة بشريين ذوي رؤوس متحجرة، ككلاب الشرطة الجنائية؛ فما إن تضع تلك الكلاب أنوفها على أثر دليل، حتى تجلبه إليك وتضعه تحت قدميك.
وهكذا كان أصدقاؤه الأربعة...
فمنذ أن طلب منهم البارحة أن يلتقوا في مكان تجمعهم، ثم تغيّب هو عن الموعد، لم يتوقفوا عن مراسلته ونعته بأبشع الألقاب ـ أبشع حتى من وصفه لهم بـ"كلاب الشرطة الجنائية" ـ
لأنّه، حسب قولهم، "أضاع وقتهم الثمين".
وقتٌ ثمين كانوا سيهدرونه، في الحقيقة، على ألعاب الفيديو بالنسبة للأخوين روشفورد، أو على الانفصال والمصالحة خمس مرات في اليوم نفسه بالنسبة للرجل الأحمر وحبيبته السنجاب.
ولهذا، ها هو يقف أمام المنزل الذي اعتادوا الاجتماع فيه، عازمًا على لقائهم اليوم، حتى لا يقدموا على تصرف أحمق يسبب له أزمة قلبية تنهي حياته.
أخرج مفتاحه من جيب بنطاله، وبمجرد أن أداره في قفل الباب الداخلي وفتحه، لم ترَ عيناه سوى وهج النور...
حقيقةً، لم يرَ إلا ضوءًا برتقاليًا ذا وهج وحرارة جعلته يغمض عينيه، وهو يزفر واضعًا يده على وجهه ليتفادى ما كان كفيلًا بتفحيم وسامته.
رفع يديه عن وجهه، فإذا به يرى أوليفر واقفًا أمامه في الداخل، ممسكًا بعبوة غاز مضغوط، وإلى جانبه هانا تحمل قدّاحة تلوّح بها أمام العبوة.
من شدة الصدمة، أسقط أوليفر العبوة من يده، بينما تجمدت هانا في مكانها، وأخفت يدها التي تحمل القدّاحة خلف ظهرها، مرتسمة على شفتيها أكثر ابتسامة لطيفة مثيرة للريبة في العالم.
لحظات من الصمت مرّت... ثم اتضح المشهد:
كان أوليفر وهانا يستخدمان عبوة الغاز والقدّاحة لإشعال النار. كانا يلعبان بالنار، بالمعنى الحرفي!
النار ذاتها التي كادت تحرق وجه جوليان لمجرد أنه كان يدخل المنزل!
سيحرقهما أحيـاء..قرّر وانتهى.
.
.
.
.
فرح