القَدر الذِي خُط مِن أجّلك لَن يذّهب لغَيرك لَسنَا مَن يخّتار الكُروب التِى تُصيبُنا لكِنَنا حَتمَاً مَن نَضع لهَا حَداً
وقْع خّطوات المَارة اجّتَــاح الجّو المُحيط بِالمَكان كَما ألقَت أشجار الزَيتون و البَرقوق الحُلو بِظِلالهَا مُسوغَة لِخيّوط الشَمس بِالمُرور مِن خِلال أغصَنها، نَقرت الجَالسة بطَرف سبَبتَها علَى خشَب السّور المُحيط بِمدخَل المَنزل بَينَما تدَندن مُبيحة لحَدقتَيها بِمراقبَة المَارين عَلى الرَغم مِن المسَافة التِي كَانت تَفصِل بَينها و بَين حَركة المُرور
راقَبت النَاس المَارين مِن أمامِها بِحِرص مِن ثُم أراحَت بِكَف يدِها علَى الخَشب و رمشَت مقّلتها بِشَيء مِن الاستغّراب و الفُضول حِين لَمحَت السَيد ولسّون وهُو يبّدو في مِزاج جَيد وهَذا أمّر غَير مألوُف واصَلت مُراقَبتها لَه لعُدة ثَواني حتى قَاطَع أحدهّم خَلوتها وَاضِعاً بِأعقَاب ذِراعه علَى كَتِفها، شعَرت بِثِقَل ذِراعِه عَلى كَتفها إلا أنهَا لَم تَلتفت لَه غَير راغِبة بِفقّدان تَركِزها وَضَعت قَدماً فَوق الأخّرى و أخذت تَنقر عَلى خَشب السُور الذِي كَانت تَجلس عَليه مُجدداً و واصَلت مَقلتيهَا مُتابعَة السَيد ولسُون الذِي وَقف بهَيئتِه الثَابتة بِجانب بَاب المخّــــبز الذِي يعُود إليّه بَينما يتَجَاذب أطراف الحَديث مَع رجّل مَا
تَحمحم القابِع بِجِوارهَا مُحاولاً جَذب انتِباهَها إلا انَه تعَرض للتَجاهل مِن قِبلِها فتَحمحَم مُجدداً مُبيحاً لنَفسه بدأ الحِوار
"ما بَال هَذا التعّبير الذِي يَكتسِح وجهّك، لمَاذا تُحدِقين فِي العَم ولسّون هكَذا ؟"
زَمت الأخِيرة بشَيء مِن الكَدَر إثّر انقِطاع حَبل أفكَرِهَا و قَد أفرَجَت شَفَتيهَا عَن تَنهيِدة طَويلة قبّل أنّ تُفَرق مَا بين شَفَتيها نَاوِية الرَد
" انظر إليه ألا تَرى شَيء مخّتلف فِي هَيئَته"
دَاهَمت عَيناه تَفاصِيل سَطح وَجّههَا محَاولاَ القَبّض عَلى مكّنوناتِها و انتهَى بِه ألأمّر بالإجَابة بِلَهّجَته التِي تَنضَح بالسَخِرية
"لا شَيء جَديد العَم ويلسُون و وجّهه العَابس "
فَرّت ضحّكة قَصيرة مِن بَين شَفتيها مُلتَفتة نَحو إدوارد ، لتقِف بَيّنما تَمد بِأطّراف ذِراعَها نَحّو الأعّلى طَرقت علَى كَتفها عِدة مَرات إثر شُعورِها بِالخَدَر مِن ثُم نَبست مُجيبه إيَاه
"مخّطئ، انَه بمِزاج جَيد اليَوم"
"آن لكِ أن تعرفي ؟"
"أمّعن النَظر إليه ستلاحَظ أن تعَابير وجّهه تَختلف عَن العَادة"
ضَيق ادوارّد مَجال نَظره مٌحاولا القَبض عَلى التَفاصيل التِي أشارت إليّها إلا أنَه لَم يَلمح شيئاً
"صِدقاً، أنا لاَ أرى مَا تَرينه ثُم إني لاَ امتَلك حِدة نظَرك"
أحّجَمت أنمَلها عَن العبَث بِطَرف شَريط شَعّرها الأزرَق رَامية بِأعقَاب نَظاراتهَا نَحو الوَاقف بِجوارها لِتلقي بِكلماتها مُشيرة إليه بالابتِعاد
"تَراجع خُطوتان للورَاء إني أشّم رَائِحة الحَسد تَنبثق مِنك"
"هَل مِن المٌفترض أن أحّسدك بَينَما تتَصرفين كَقرود التَارسِير؟"
أصّدرت ضَحكه خَافته نَابسة بِشيء مِن السخّرية مُتنَاسية مُحاولتّه للنَيل مِنها
"لَدي بَصر جَيد كَقرود التَارسير بَينما أنت لَا تَملك نِصف مَا يملّكه قِرد عَادي"
تَحمحم هُو لعَجزه عَن الرَد مٌقرراً تَغيير المَوضوع
" حَسنا تَفضلي أبهّرينا بِمواهبك لمَاذا يَبدو مُبتهجاً اليَوم"
"ربمَا فَقد بَعض الوَزن"
"أتهّزئين بي؟"
"اعتَقد أنَك مَن يهّزئ بي هُنا يَا ادوَارد هَل تَظن أن لَدي القُدرة عَلى قِراءة عُقول البَشر؟"
"السَيد ولسون لَيس بِمزاج جَيد كمَا تدَعين إذا"
النَبرة المُتحدية الخَاصة بِه غَلفت الجَو جَاعلة إياه مَشحوناً، رَمقتّه تلكَ الأخِيرة بِسّخط لَم تَروقهَا لَهجَته المُستفزة فَأباحت لِقدميها بِالتَقدم نَحو الأمَام مُنتَشلة سَلة الخِيش مِن مَكنها مُلقية بخُطواتها نَحو الدَرجات الصَغيرة لتَخرج مِن فِناء المَنزل، رَمقهَا ادوَارد بِطَرف أعينه الخَضّراء وصَاح مُنادياً إسّمها مُحاولاً شَد انتِباهها
"آريـا، إلَى أين؟"
"إلى المخّبز ، سَترى كَيف سَأحّصل عَلى خّبز مَجاني اليَوم"
"لكي مِني خَمس قِطَع نَقدية إذا نَجحّتِ"
نَبس بِسخّرية و مَرر بَيده بَين خُصلات البُن خَاصَته مُشيرَاً لهَا بِالّذَهاب كَما لَو كَان وَاثقاً مِن فَشلهَا
إبتسامَة خَافته إرتسَمت عَلى مَحيَاها وَهي تَدفع حَصى بمقَدمَة حِذائهَا
"اقّبل الرهَان"
"افّعلي ما تشَائين لكِن لا تَعودي إلي في حَال مَا صَرخ في وَجهك بَينَما تَهطل أمّطار دٌموعك فَأنا لَست مُتَفرغ لاقتطَافك و وضّعك بَين أحَضَاني"
نَطق بصَوت عَالٍ لتسّمعه آريـا بَينَما صَوب بِحَدقَتيه عَلى خُصَلات شَعرهَا الكَستَنائي الذِي احتَلته بِضع خُيوط ذَهَبية كَما لَو أن غُبار الذَهب نُثر عَليه فِي حيِن ضَلت هي تَسير مُبّتَعدة
ضَربت بكَعب حذَائها عَلى الأرّض بَينَما تتَفحَص عَينَا الزَيتون كُل مَا يقِف صَوبَها لَم تَلبث حَتى وقَفت أمام بَاب المَخبَز أخذت نَفساً عَميقاً مُتَرجِية فِي ذَاتهَا ألا يَخيب مَا تَرجوه دَفَعت البَاب الخَشبي الُثقيل، فُتِح محَركاً الجَرس الذِي أصّدراَ رَنِيناً مُعلنناً عَن حُضور أحَدهم التَفت السَيد ويلسون مُبتَسما فتَنفست الأخيِرة الصُعداء حِين صَدق ظَنها حَركَت أنمَلها نَاحية خُصلَة شَعرها وَاضعَة أيهَا خَلف أذنِها، إبتَلعَت مَا فِي جَوفها مُنَظِفة حَلقها قَبل أن تُبَاشر الحَديث نَابسة
"صباح الخير يَا عَمي"
"آريـا ؟ مَرحَبا بكِ تَفضلي مَا هُو طَلبك"
تَكَلم بِنَبرة هَادئة بَينَما يُرتب رَبطَة عٌنقه، ارتكَزت حَدقتَا الزَيتون الأخضَر الخَاصة بِآريـا علَى رَبطَة عُنقه ثُم هَمهمت بِتسَاؤل قَبل أن تُجيب
"بَعيِداً عَن أرغِفَة الخُبز قَريبا جداً أمَامي ، أدرك جَيداً يَا عَمي أنَك أفضَل خَباز في القَرية لَكن لَم أعلَم أنك بِهَذه الوَسامة فَما سر تَأنقك اليَوم؟"
رَشَقت بكَلمَاتها المَعسولة نَحوه جَاعلة مِن ابتسَامته تَتسع
"تَمتَلكِين ذَوقاً رَفيِعاً كَونَ هَذا العَجُوز نَال استحّسَانك"
أجَاب واضِعاً يَده عَلى ذَقنه مُتَحَسساً لِحّيته الشَائِكَة، ابتَسمت هي بَينما تَخطو إلي وسط المَحل تَقرع على الأرّض الخَشبية بِقاع كَعبها
" مِن فَضّلك هَل لكَ أن تَمنَحني رَغيفين مِن الخُبز "
تَحرك الرَجل العَجوز بَين الرفُوف واضِعاً الخُبز فِي الكِيس الوَرَقي ، لَمحَته آريـا بَينَما يضَيف رغيفاً ثالثاً قَبل أن يضَع الكيس في سَلة الخِيش الخَاصة بهَا رائِحَة المُعَجنات السَاخِنة عَبقَت المَكان
"بِالمٌناسبة، مُبارك لَك تَخرج ابّنك من الجَامعة"
"هذَا يَعني أنكِ لَم تَنسي مَوعد تَخرج ليون و أتَيت أيضاً للتَهنئة أنتِ حَقا فَتاة رَزينة"
نَبس وقَد التَفت حَوله هَالة من البَهجة للحظَات قبّل أن يَردف في حنّق
"لكِن شقيقّك المُزعج يُثير سخّطي"
فَرت ضَحكة قَصيرة مِن بَين شفَتيها كَونها نَست تَماماً مَوعد تَخرج ابنِه ولَم تَكن لتَتذَكر لَولا قَالب الحَلوى المُرتَكز أمامهَا و الذِي كُتب عَليه إسّم ليُون فَتكمل
"هَل فَعَل ادوارد أي شَيء مِن شَأنه أن يعَكر صَفوك ؟ فَقط أخبرني و سأُعِيد تَربيَته مِن أجلكَ"
"أعتَمد عليكِ"
تَبسَمت بِخُفوت حيِن مَد نَحّوها كِيس وَرقي أخر يَحتَوي علَى بَعض المُعجنَات التِي يَهّواهَا قَلبُها
"شكرا عَلى المُعَجنَات ، سأحّرِص عَلى قَرع جَرس بَابك فِي كَثيرا مِن الأحّيان يَا عَمي"
تَبَسم لهَا الرَجل العَجوز لتَرد عَليهم بِنَفس ألابّتسَامة خَافِته قَبل أن تَهم بِالخُروج مِن المَخبَز سَارت بَينَما تدَندِن لَحنَناً مُبّتَهِجة لمَا بَين يَدَيها لَم تَلبث أن وجَدت نَفسَها تَقِف أمام بَاب مَنزلها الأبيَض ذِي الزَخارف الذَهبيَة أخَذت نَفَساً عَميقاُ لتَلجَ صَافعة بَاب المَدخل خَلفهَا تقَدمت مستَنشقَة عَبق مَنزلِها المُحبب إلي نَفسها، لَمحت بطَرف مقّلتاها وَالدها يَرسم على إحّدى أورَاق عَمله وفِي يَده كُوب مِن القَهوة السَوداء سَارت بِهدوء نَاوية الخُروج إلي الحَديقَة الخَلفيَة، رَمشت عدَة مَرات حِين دَاهمت رائِحة فَطائِر التوُت حَواسَها طَالبة مِنهَا الوُلوج إلي المَطِبَخ،
دَلفت بِخّطوات قَصيرة مُتَتبعَة تَقلّبات مَعدتِها التِي تَطالب بِإخّمَاد جُوعَها، لِيقَع نَظَرهَا عَلى فَطيِرة تُوت كَبيرة وُضعَت فَوق السَطح الرُخَامي لِلمَطّبخ تَنضَح بِعَبَق حُلو كَما لَو كَانت تُنَاشِد أحَداً لِيجّهِز عَليّهَا، رمَت بِسَلة الخِيش فَوق سَطح الطَاولة الخَشبية و سَمَحت هِي لأصَابع يَدهَا بِخَطّف حَبة تُوت رَامِية إيَاهَا إلي جَوفهَا تَلتّهَا عِدَة حَبات أخّرى، حَاولت المَضغ بسُرعة مُتَأمِلة ألا يُفّتِح السِتَار و يَتم كَشف جَريِمَتها، ابَتلعت مَا فِي حَلقِها و مَسَحَت أثَار مَأثَمها مِن عَلى شَفَتيّهَا التِي لُطِخَت بزُرقة التٌوت و بِمُجَرد أن عَبَرت خَطَر القَبض عَليهَا
تَقَدمت مسُرعَة نَحو البَاب الخَشبي الذِي يَصِل مَا بَين المَطّبخ و الحَديقَة، ضَربت الرِياح الحَارة وجّهَها حَالما رَمت بِأعّقاب خُطواتِهَا نَحِو الخَارج كَما عَانق عَبير أزهّار السَوسَن الهَواء،
رفعَت آريـا بعَيونِها الخَضراء نَحو وَالِدَتها التِي كَانت ترّوي ألأزهَار جَاعلة مِن المَكان يعّبق بأريج حُلو الرَائِحَة، وقَفت علَى يَسار والِدَتها وحَنت بِجذعِهَا نَحّو أزهَار السَوسن البَنَفسَجية نَابسة بِشيء مِن البَهجَة
"أزَهَرت أزّهَار السَوسَن بَاكِراً هّذَا العَام"
إسّتَقامت والِدتُها حِين أدركَ مَجال سَمعِها وقّع صَوت إبّنَتِها المُسّتبّشر
"لاَ تٌفَاجئُني دَهشتُكِ فَقد قُمت بِإهّمَالهَا طَوال المَوسِم الفَائِت"
زَمت شَفتَيها بِعُبوس فِي خِتام كَلام والدَتِها
"أقسِم أني أعمَل بِجِد لأسّر مٌعّضِلة الالتِزَام و رَشّقِهَا بَعيِداً عَني"
"سَمِعّت هَذا كَثيراً لَكن يَبدو لي أنَها مَن قَبض عَليكِ أولاً"
قَضمت خَدهَا الدَاخلي تَنقُر بسَبَابتِها فِي الفَراغ لتَنبس
" لاَ تَقّلقي سأتَشابك مَعها لأكُون الطَرف المُنّتَصر في نِهاية المَطاف"
"لاَزمِي رِفَقَة أزهَاركِ فَإنَ أثَار الوِحّدَة ستُدَاهِمُهَا إذَا مَا هجًرهَا أنِسُها مِن بني البَشَر"
أومَأت آريـا بِرأسِهَا مُسًتَجِيبة لِحَدِيث وَالِدَتِهَا الذِي رَاق مَسَمَعَهَا، نَظَفَت حَلّقهَا قَائِلة بِشَيء مِن السَكِينَة
"سأحّرِص عَلى إحّتِوائِهَا حتَى حُلُول الفَصل القَادم"
تَبَسَمت والِدَتُهَا تُطالعهَا بِشَيء مِن الرِضَا رافِعَة أهّدابهَا نَحّو الأفّق، هَبَت لَحظَات مِن الهدوء و لَم تَلبَث أن تَقّطع آريـا الصَمت بِسَيف لِسَانهَا
"لَقَد قَصَدت مخّبز العَم ويِلسون قَبل قَليِل لشِراء الخُبز و قَد مَنَحني بَعض المُعَجنَات للفطُور"
هَمهَمت والدَتُها مٌناولة إبّنتهَا مِنضَحة الزَرع
"هَل شَكَرتِه كَمَا يَجِب؟"
أمَاءت آريـا برَأسها، مُمِسِكَة بِالمِرشة، رَاوية أزهَارها التِي إحّتَضَنت قطَرات النَدى بِرخَاء لِتَنضح بِالحَياة مِن جَديد
قَطع صَوت خُطوات إدّوارد إنّفِرادَهَا بِوالدَتِهَا فَتلتَفت نَحوه ترمُقه بِنَظرات إنتِصار كَما مَنحها هو تَعّبيِرا عَابِساً لإدّرَاكه أنَها مَن كَسَب الرِهَان، صَبت كَامِيليا بِتَركزِهَا صَوب آريـا و إدوَارد و لاَ يبًدو أن الجَو السَائد يَروق ذَاتَها
"أتَشابَكّتُما فِي رِهَان مَا مُجَدداً ؟"
رَمَقَتّهُما بِسخّط فِي خِتام كَلمها، نَفى إدوارّد مُضّطرباً رَاجِياً تَخّفِيف غضَبها قَبل أن تَعصف بِهِمَا
"لَيّس تَمَاما، ألأمّر فَقط..."
بَتَرت آريـا كَلامه مُربتَة مَنكَبه
"ألأمّر فَقط أن إدّوارد مُستَاء كَونه يٌتَوج بِالخِذّلان فِي نهَاية المَطاف "
زَفرت كَاميليا و تقاسِيم ألاسّتِياء دَاهَمت تَجَاعيِد بَشَرتِها الحَلِيِبية
"ألَم نَتَفق عَلى إيقَاف هَذا الهُراء؟"
"لَقد كَانت فِكّرة إدوَارد، أعفينِي أرجُوكِ"
قَوَست شَفتَها بإسّتياء رامِية أللَوم عَلى شَقِيقِهَا
"سأتغَاضَى عَنكُما هَذه المَرة لكِن إذَا سَمعّت عَن أي خِلاف أخَر بَينَكما فَسأترك ألأمر لرَالف"
أشّرق وَجّه آريـا بَيّنَما إمتَعص إدواَرد بِالنِسبة لِآرّيـا فإنَ كَلامَات والدَتهَا المهَدِدة لاَ يُحَرك سَاكناً بِها كَون وَالدِهَا يُدَللهَا و يَخّشى عَليّها مِن نَسِيم الرِياح لكِن هذَا لاَ ينِطَبق عَلى شقِقِها هُو لاَ يَشك أن وَالدَه سَيصّب بجُل الأمّر عَليه بَينما سَيٌلّبس أخّته ردَاء الحَصانة نُقِش عَليّه بخَط عَريض مزايَا أصغَر فَراشَات عَائِلة لانّس
.
.
.
.
.
.
.
سَحبت نَفسي مِن الحَديقة مُقتَحمة المَطبَخ مُجدداً لأتأمَل مَحبوبَتي فَطِيرة التَوت إلا أن طَرفاً ثَالَثاً سَبقَني و إقّتَحم المَسرح مُعّلناً عَن نهَاية العَاشقَين المَأساوِية،كَانت هي إيلين تَقِف أمَام الطَاولة الخَشبية تٌقطِع مَحبوبتي إلي قِطَع غَير مُتساوِية الأحّجَام خَطَوت بِهُدوء خَلفَها مُقتَطفَة جَذّعَها بَينَ ذِراعَي
"إجّعَلي أكبَر حِصَة مِن نَصيبي"
تأفَفت مُتَوقفة عَن تَجزِئة الفَطيرة مُلتَفِتة نَحوي، تَبَسَمت نَحّوها أشّد وِثَاقهَا مُتَوسلة مِنها أن تُنَفذ مَطلَبي
"لكِي ذَالك"
كَلِمتين هَدرت إيلين بِهِمَا لتَغِمر البَهجَة كِياني مُجَدداً، أعتَقّتها مِن أصفَاد عِناقي أراقِبهَا تَعُود لمَا كَانت تَفَعله قَبل أن أقَاطِعها، أحُوم حَولهَا منّتَظرة مِنهَا أن تَنتهي لأخّتار قِطعَتي و أقوم بِتَهرِيبهَا بَعيداً عَن بَراثن ألأعّداء، قَوست إيلين شَفتَيها تطَالعُني بِكَدر مٌطالبة بِبَعض المِساحة لنَفسها
"آريـا، إذهَبي و أيقظِي مايكِل رَيّثمَا أجَهز طَاولة الفَطُور"
أمَاءتٌ بِرأسي أشَد عَلى أطّراف فُستاني لانزعَاجِي مِن نَبرتِهَا الآمِرة لاَ أطيق أن يَأمُرني أحَد بِفعل شَيء لكِن أخشَى أن تَحرمني مِن لقَاء مَحبوبتي إذا مَا جَادَلتهَا
طَرقت بَاب غُرفة مَايكِل أنَشده لِينّفض غٌبار النَوم عَن نَفسه إلا أنَني لَم أتلقى رَداً دَفعًت البَاب دَالفة لوَسط غُرفته أناديه ليَنّهَض
، خَطَوت نَحو النَافذة مٌدَاهمة الستَائِر المُخّمَلية أزيِحها لِتَنقشع العَتمَة مُسَوِغَة لِضِياء الشَمس بِالولُوج
"هَيا أنفِض هَذا الكَسل عَن نَفسك"
نَبستُ أفّتَح خِزَانَته لِتَتَخذ أنمَالي سَبِيلَها تَخِطف بِضع أقّمِشة رامية إيَاها فَوق سَريره حَيث كَان هَو مُنّغَمساً فِي نَعيم أحّلامِه، وقَفت أمَام سَريره أطَالع تَقاسِيم وَجهه الَصَغير لأنقُر بِسَبَابتي خَده الهُلامي، يَنظر إلي جَاعِلاً مِن ذِراعِه حَجِاباً يَفّصل بَينه و بَين خًيوط الضِياء
وضَعت بِأعقَاب يَدي عَلى شَعره ألأشقَر أدَاعب خُيوطَه الذَهَبية، لِتحّجِم أنّمَالي عَن العَبَث حيِن سَمعت هَمهَمته المُستَاء
تحَمحَمت منّتصبة أقِف أمَام بَاب الغرفَة الخَشبي
"لا بَأس إبقَى نَائِما ، لن أخّرجكَ معِي اليَوم"
فَرت بِضع كَلمَات مِن شفَتاي لألمَح مَايكل و قَد أبعَد الغطَاء عَن وجّهه يطَالعنِي فِي جحوُض تَبَسمت أدفَع البَاب لاغَادر
إتخَذت جَانب أخِي إدوارد عَلى طَاولة الفُطور مُنتَظِرة أن يجّتمع الجَميع حَول المَائدَة ، لَم أمنَع حَدقتاي مِن خَطف بِضع تفَاصيل تحُوم حَول وَالدِي، ربَطة عُنقه المُرتبة ،الرائحَة الخَافته للمّسك تنبعِث مِنه ، شعّر مِن حُبوب البُن أتسَائل إن كَان هنَاك رجّل أكثر وَسامة مِنه ؟
اخذّت رشفة مِن قَدح الشَاي امَامِي تَجعدت حَواجبِ لمرارتِهِ، أقّبض علَى مَلقطَة السُكر لأرمِي بقِطع السُكر وَاحِدة تِلوى الأُخّرى ، أصب الحليِب فِي الفِنجان حَتى يتغَيير لَون الشَاي ، رفعّت رأسِي إثّر شعُوري بنَظرات أخِي نَحوِي
"مَاخَطبك تَنظر إلي هَكذَا ، هَل رَاق لكَ وجّهي لتُحدِق بِي؟"
"بئّس خطِيئة أقتَرفتّها أنمَالك''
"أي خطِيئة؟"
"كَيف لكِ أن تُضيفي أطّنانً مِن السُكر إلى الشَاي و تَقتُلين رائِحتَه بإضَافة الحَليب هَذا إجّرام لا يُغتَفر يا سفِيرة النحس"
"أبِي ، إن إدّوارد فَظ مَعي"
"إدوارد ، دَع أختَك و شَأنَها"
"لَم أفعَل شَيْء"
"صَوتك وَحّده كَفيل بتَعكِير مزَاجها ، لاَ تتكَلم معَها"
هَمهم والدِي يُمَرِر يَدَه عَلى شعّري إلى أن قَاطعَه صَوت أخِي
"ألاَ تَرى أنَك تُدَلِلهَا كَثيِرا؟"
"هِي إبنَتي الوحِيدة خُلقَت لتُدَلل"
"أنَا أبّنك أيضَاً"
"هَل تُريِدني أن أمّسح عَلى شعّرك أنّت الاخَر؟"
قضَمت شفتَاي مُحاولة كَتم ضَحكَاتي.
تحَركت أصَابع يدِي فِي حَركَة بطِيئة محَاولة ربّط حِذَائي بإحكَام قَبل المغَادرة ، أقِف بينَما انفِظ الغُبار عَن فستَاني ، مشيّت بِسرعَة نَحو مَكتب البَريد.
أصدَر جَرس البَاب صَوتاً خَفيفا حِين دَفعّته لألِج أطَالع الأرّض الخَشبية و فِي دَاخلي شئ مِن اللَهفة مُتَسائِلة هَل وَصلَتني أي رِسائِل مِنه اليَوم؟
وقَفت أنّتظِر دَوري فِي الصَف ، لاَ أطِيق صَبراً
"هل يُوجد أي رسَائِل لِي ؟"
سَألتُ مُتحَمّحِمة أنّتَظر جَواباً يُرضِي مَسّمعي
"أه ، نعَم يوجد أمّهيلنِي لحّظة"
تِلكَ الجُمّلة القَصِيرة رسَمَت بإبّتِسامة بَاهِتة عَلى شفَتاي ، لَم أنتَظِر طَويلا إلى أن عَاد سَاعي البَريِد يحّمل عِدة رسَائل ،
خَرجّت أتوُق لفَتح مَا وصَلنِي ، إتخَذت أوّل مَجلس وقعَت مَقّلاتاي عَليه أقّلب الأظّرفَة بين كَفاي
الرسَالة الاوُلى مرسَلة إلى رَالف لانّس
الرِسالة الثَانية مَرسَلة لإيلين نوبولين
الرسَالة الثَالثة لرَالف لانس
الرِسالة... لرالّف لانّس.....
قَبضت عَلى الرسَائل و الخَيبة تمّلائني كَيف يعُقل أن تَمُر ثلاَث أشهّر دُون رسَائِل مِنه ذَلك المُسّتَهّتر ....
إنَه لمضِيعة لهَذا الجَو إذَا مَاعُدت إلى المَنزل دُون المُرور على المَرج أو النَهّر
تَوقفت مَع أليكس حِين وَصلت إلى وجّهتي ،هدوءٌ غريبٌ يلفُّ المكان، أُحَدِق بِالمِياه تَسابُ أمَامي برتابةٍ.
وسطَ الانعكاسِ المتموّجِ للمياهِ، لمحتُ فَرس بَيضاء مغّدقة بِسرج ثَقيل تَلتَف حَولهَا أقّمشة فَاخِرة مُزَينة ببُذخ
تقدّمتُ نحوهُا بخطواتٍ مترددةٍ، أنفاسي معلّقةٌ كخيطٍ شفافٍ.
أطرافُ أصابعي لامستْ عُنقهَا النَاعِم لِوهّلة ، فكَرتُ فِي نَفسي مُدركَة مِن خِلال هيئتِها وزينتِها أنّها ليسَت بحصانٍ عاديّ، مَا لا شَك فِيه أنّها تنتَمي لشخصٍ ذو شأنٍ رفيع.
مَاهِي إلا لحَظات حَتى مَر عَلى مَسمَعي صَوت خُطُوات ثَقيلة يَقتَرب مِني إلتَفت ليَقع نظَري نَحوهُما
شابّانِ من بينِ الأشجارِ، ملامِح أحَدِهمَا تحملُ شَيئاً مِن السُخّط
"اللصَة!" صاحَ أحدُهُما صوتُهُ ينّضح بالغضبِ
لِصة؟ مَن يظُنُني هَذا الدَنِيء ، نظَارات الاتهامُ التِي إرتَسمت عَلى أسَاريره، أشّعلَت شيئًا بِداخِلي ، هُو لَم يغّلق ثَغرَه بَل أعَاد الكَلام
"لقَد فَرت الفَرس مِني أعيدِيها هُنا حَالاً!"
لَمحت الشَاب الاخَر بجَانبهِ بدَى صَامتاً غَير رَاغب فِي التدَخُل فِي الأمَر مَا جَعلنِي أرتَاب إتجَاهه ، صُراخ الاحّمق الاخّر أثَار إسّتيَائي فكَيف لغَريب لاَ أعّرفه أن يخَاطبَني بِهذا الأسلُوب؟
"كُنتَ تَبحَث عَن فَرسِك إذَا؟"
إلتَفت إلى الفَرس و صَفَعتُ كَفَلَها بقِوة كأَمر لَا يَقبَلُ التّردد، ارتفعَ صهيلُهَا عاليًا فَانْطلقت تعْدُو بِجنونٍ ، فِـعّلي هَذا أثَار سُخطَ الرَجل الدنِيء فصَاح
"ماذا فعلتِ؟!"
"هَاقَد أفّلتَ حِصانُك، أدّركِه إذَا إستَطعت أيّها الدَنيء"
هَسهَست وقَد صَعِدت على أليكس مُجددا مُستَعدة للهَرب نعم الهَرب لسّت جَاهِزة للتَورط مَع غَريبين لِوحدي ،لَم أفّسح المجَال لَه ليَرد ، ضَاغطة بكَعبِي عَلى خَاصرة أليكس لينطَلق مُبتَعداً عَن الرقّعة
عُدّت إلي المَنزل مُدّركة أن وَقت الغدَاء قَد حَان
دقّت الساعة إيذانًا بمَوعد الغَداء. خُطاي كانَت تتَسَارع مَع شُعُوري بِالجُوع يلحُّ عليّ لأضَع شَيءً أسّكت بِه إستِياء أمّعائي، فتحتُ البَاب بِسرعة و وَلجّت صَافِعة إيَاه خَلفي وأنّدفعّت بِضعَ خُطوات، إستَوقَفني إدّوارد فِي الردّهة يُطَالعني بإبتِسامَة مُلتويِة تعّلو محّياه، مَددت البَريِد إليِه ليُطالعني هُو بإستِنكَار
"لَم أعّهد سفِيرة النَحّس تَجّلب البَريد الى المَنزِل"
"هَل ترِيدنِي أن أنَادي أبِي؟"
"أخّشى أن أعّلمكِ أن وَالدك لَيس هُنا"
نَطق بِسخّرية
"أذّهب و قُم بتَجهِيز مَايكل ليخّرج مِعي بدَلا مِني الوُقوف و إهدَار الاكّسجين"
نَبست ثُم تجاهَلّتهُ مؤقتًا، لأتوجَه إلى الداخِل حيّث رائحَة الطَعام تُغري حَواسي.
وقفتُ في ركن المطبخ، أُعدُّ بضّع شطائر، أعتزم اصطحابها معي إلى نُزهَتي مَع مَايكل، و بينَما أُحكم لفّ الشَطائر، خَطت مني إيلين بيدٍ ممتدة تحّمل كِيساً وَرقياً بِه بَعض الحَلوى
"لتُكمل متعتكُما فِي الخَارج"
تسلّمتُ كيِس الحَلوى مِن يَدِها و وضعتُه في الحَقيبة ، سعّياً مِني لتنسِيق محّتوياتها كي تبقٍى مرتَبة دون أن يختلّ نظَامها. أغلقتُ الحقيبة بإحكّام لأخّرج حَيث كَان مَايكل ينتَظِرني
اعتليتُ السرج و مايكِل يجّلس خَلفي يدّه الصغِرة تشّد عَلى طَرف ثَوبي و عيناه تضجّان بِالتَرقب بدأ اليِكس يمشِي بِخطَى متأنية، ينشّر بِوقّع حَوافِره علَى الأرّض
فّرشت الغِطَاء تحّت ظِل شَجرة البَلُوط لنَبدأ غَدائَنا ،جَلسّت و بِمُحَذاتي جَلس مَايكل يُشاطرني المَكان
"جَائِع؟"
سألّته و يَدِي تُقطِع الشًطَائر الى نِصّفين ، أوّمأ بِرأسه مُوفِقاً نَاولّته النِصف و أخذّت النِصف الاخَر
رفع الشطيرة بيده، وأمعن النظر فيها كأنما يتأملها للمرة الأولى، ثم قضم منها قَضمةً متأنية، فامتلأت حواسه بطعمها الذي امتزج بين البساطة واللذة. حرّك فكّيه ببطء ، يحَرك كَفه محَاولاً مسّح أطّراف فمِه فِي حَركة سَريعَة ما إن أتَم وجّبَته حَتى نهّض بِسُرعة، ينفِض الفتَات عن ملابسِه بَدأت بِتَنظِف المكَان ثُم أعدّت بنَظري نحّوه
"يُمّكِنك الذَهاب للَعب لكِن لا تَبتَعِد"
لَم يَسعنِي إنهَاء كَلامِي حَتى ركَض هُو بعِيدا ، إستَلقِيت عَلى جِذع الشجَرة أطَالعُ السَماء أفَكر فِي الكَثِير ، إرتمى بَصري للحظّة نَحو مجموعةٍ من أزهَار الهيِدرانجّيا الزرقَاء،
خطوتُ نحوها بخطًى متأنية، أطالعها بصمتٍ كأنما ألتقط من جمالها ما يسرّ خاطري، تلاعبت فكرة في ذهني قُيدت بها
أن أضمّها إلى حديقة المنزل بجانب أزهَار السَوسن التِي اعتنيتُ بها طويلًا
جثوتُ على ركبتيّ وبدأتُ الحفر بأصابعي، الغبار يتسرب بين أناملي كحَبات الرُمان كنتُ أطمح للوصول إلى الجذور، لكنّها كانت متشبثة بالأرض تأبى فِراقهَا ، فشدَدتُ بيدٍ مُحاولت سحّبها للاعّلى ، فجأة، شعرتُ بيدٍ أخرى تُطبق فوق يدي
التفتُ ببطء، أتساءل عن صاحِبها حِين ضَرب الادّراك رأسِي فقَد كَان إحّدى الشّابان مِن وقّت سابِق كُنت عَلى وَشك أن أفّتح ثغّري إلا أن الصّمت نَال مِني حِين قَام هُو بِسحب سَاق النَبتة ما جعَلني أُدرِك أنه يسَعى لمدّ يد العَون لي.
أنتَشّلنا الجُذور مِن بَاطِن الأرّض أخيِراً فَقمت بِلفها بِقطعة قمَاش كَانت بَين يدَاي مِن أجّل الحِفاظ عَلى الجُذور مِن التَلف
التفتُّ نَحّوه أطَالعُه بِإستِنكَار كمَن يحّمل سُؤالًا صَامتًا ،ما
الذِي تفعله هنا؟
لكِن لسَاني ظلَّ مقيدًا بصَمتي نهَضتُ بثبات، متجاهلة وجوده، وخطوتُ نحّو ألِيكس بخطًى بَطيِئة دوُن أن ألتَفت أو أنبِس بكَلمة شُكر نظّرت له لثوانِي عَينَاه كَزهرة الهيِدرانجّيا الزرقاء تَماما
خَطوت أجمَع أغّراضي عازمةً على المغادرة، شعرتُ بخطواتٍه تتبَعني. رفعتُ ببَصري نحّوه لأرَاه يسِير خَلفي، إبّتسَامة خَفيِفة كَانت تُداهِم شفَتيه ترتسِم علَى مَحّياه، تَوقف بِمُحذَاتي فجّأة و نَبس
"أَلَن تَشكرِينِي عَلَى مَا بَذَلتهُ لَكِ مِنْ جُهد؟"
التفتُّ نَحّوه لأرمقّه بِنظَراتٍ مشّبعة بالاعّتداد
"سأعتبر هذا تعويضًا عن وقاحَة صدِيقك صباحًا."
هُو ألقى ضَحكة قصِيرة، وكأن ردِي كان متَوقعًا، وظَلت المسَافة بينَنا تتَردد فِيها كلِمات غيّر منطُوقة أثقَلت الجَو
نَظَرتُ إِلَيهِ وَ نَبَستُ
"مَا الّذي يُمسِكُ بِالسخرِيةِ يَا سَيدَ؟"
فَأَجَابَ بِإبتِسامة
"آرون"
نَظَرْتُ إِلَيْهِ بِحَيرةٍ أطّلب تَوضِيحاً
"نَادِنِي آرُون، فَآرون هوَ اسمِي."
يتّبع