بلسان البطلة:
من كان يظن أن فتاةً "نفسية" مثلي، يراها الناس مرحة؟ هذا مثيرٌ للسخرية. قلتها بيني وبين نفسي وأنا في طريقي إلى تلك الثانوية البائسة، التي أتعبني التمثيل فيها، والتصنّع لإرضاء الآخرين.
بعد دقائق معدودة، وصلت أخيرًا إلى ذلك المكان المليء بالملل، والصراخ، والتفاهة. نزعت السماعات من أذني، وانطلقت أتشاجر بصمت مع الزحام المتكدّس عند الباب، كأنهم كومة نمل تجمّعت على قطعة سكر.
بعد "حروبٍ" صغيرة، نجحت في اجتياز ذلك الهجوم الجماعي بمشقة الأنفاس. سرتُ نحو فصلي، متجاهلةً نظرات الحثالة، وتجمعات أولئك الأولاد الذين لا عمل لهم سوى مراقبة البنات. مقرف... بحق.
جلستُ أخيرًا على طاولتي المعتادة. ككل مرة، أكون أول من يدخل، لا حبًا في المدرسة أو في الدراسة، بل كرهًا لنظرات الناس. فأنا لا أطيق أحاديثهم، ولا حتى رؤيتهم من الأساس.
أخرجت روايةً من حقيبتي، وبدأت أقرأ. شيئًا فشيئًا، بدأ الفصل يمتلئ، ولم يتبقّ سوى حضور الأستاذ لبدء الحصة...
<بعد ساعة>
خرجتُ من أكثر فصلٍ أحبه وأكرهه في الوقت ذاته. تناقضٌ غريب، لكن لا يهم. بدأت أتمشى بخطى بطيئة، ووجدت راحتي في ممرٍ خالٍ من الناس، كأن الزمن توقّف للحظات. عدّلتُ حقيبتي على كتفي، وغادرتُ تلك الثانوية البائسة.
..
وصلتُ إلى المنزل، وكان أول من استقبلني أمي، التي عاتبتني على دقيقةٍ لم أتأخرها أصلًا. رميتُ حقيبتي، وتوجهتُ مباشرة إلى المطبخ... لا حاجة لوصف حالته، كأنه مرَّ بحربٍ أهلية. لففتُ المئزر حول خصري، وبدأت أغسل الصحون التي انتظرتني وكأنها تعلم أني عائدة. بعدها رتبتُ المنزل، الذي كان وضعه أقل فوضى من المطبخ بقليل.
أخيرًا، جلستُ آخذ استراحة محاربٍ أنهى معركة.
...
لم تدم راحتي طويلًا، فما إن جلست حتى بدأت نداءات أمي المعتادة:
- "انهضي، انظري إذا أنهت أختك واجباتها،"
- "لماذا أنتِ جالسة؟ عندك امتحان، أم أنك نسيته؟"
أحيانًا أشعر أني مجرد ظل في هذا البيت. لا أحد يسألني: "كيف كان يومك؟"، "هل أنتِ متعبة؟"، "هل تريدين شيئًا؟"... فقط أوامر، وواجبات، ومسؤوليات.
لكن لا بأس... تعوّدت.
ذهبت لأتفقد أختي، وجدتها غارقة في رسوماتها على دفتر الرياضيات، كأنها ترسم مهربًا صغيرًا من عالم الأرقام.
ابتسمت بخفة، وساعدتها قليلًا حتى فهمت التمرين، ثم عدت إلى غرفتي.
أغلقت الباب، وأسندت ظهري إليه كأنه حاجزٌ بيني وبين كل ما يرهقني.
فتحت النافذة، وملأت صدري بنسمة باردة... كانت المدينة صامتة قليلًا، أو ربما رأسي هو الذي صمت أخيرًا.
جلستُ على سريري، وأعدت إخراج الرواية من حقيبتي. قرأت سطرين، ثم توقفت.
لم أعد أركز، بل أفكر... أفكر كثيرًا.
في الناس، في حياتي، فيّ أنا.
أنا التي أضحك أحيانًا فقط كي لا يسأل أحد "ما بك؟"،
أنا التي تخاف أن تنهار، لأنها إن فعلت، فلن يُعيدها أحد.
أغمضت عيني، وقلت لنفسي بصوتٍ خافت:
"غدًا قد يكون أفضل... حتى لو لم يكن، على الأقل نكذب على أنفسنا قليلًا ونقول إنه ممكن."
وساد الصمت من جديد.
لم أنعم بصمتٍ مطلق؛ فما إن مرّت دقائق، أو ربما ساعات - لا أعلم - حتى استيقظت مفزوعة من نفس الحلم... ونفس الجملة التي تتردد دائمًا في رأسي:
"أنتِ التالية... القربان يُذبح. أنتِ التالية... القربان يُذبح..."
بدأت تلك الجملة تتردد في عقلي بينما تنفسي يثقل، وصدرِي يعلو ويهبط بصعوبة.
...
﴿في الصباح﴾
استيقظت متعبة، قواي متحطّمة تمامًا من إرهاق ليلة البارحة، التي بالكاد استطعت النوم بعدها.
نهضتُ بخمول، ونظرتُ في المرآة... كان أنفي ينزف، والدم يتقطر نحو الأرض.
غسلتُ وجهي وخرجتُ من الحمام، بيدي منديل أبحث به عن بقع الدم المتناثرة...
لكن... لم أجد شيئًا.
مستحيل! أنا رأيت الدم بعيني!
مسحتُ وجهي، أحاول تهدئة نفسي. ربما... ربما كنت أتوهم.
أمسكتُ حقيبتي وخرجتُ إلى الثانوية.
..
بعد المدرسة، كانت الطريق خالية. ومع ذلك، لم أسلم من ذلك الشعور... شعور أن أحدًا يتبعني، أو أن هناك عيونًا تراقبني.
لكن لم يكن هناك أحد.
شدّدتُ على حقيبتي، وبدأت أسرع في مشيي... حتى ظهرت أمامِي مرآةٌ من العدم.
مهلًا... من أين جاءت هذه؟
كانت الطريق خالية تمامًا.
اقتربتُ منها بحذر، لكني توقفت في مكاني عندما رأيتها...
امرأة.
عجوز، ملامحها مليئة بالتجاعيد، لكن شعرها أسود قاتم كسواد الليل.
ترتدي ملابس مهترئة، وتتكئ على عكاز غريب الشكل.
نظرت إليّ مباشرة دون أن ترمش. نظراتها اخترقتني.
ثم نظرتْ من حولي بحقد، وكأنها ترى شخصًا لا أراه...
قبل أن تتمتم بكلمات غامضة لم أفهمها، وتختفي.
نعم... اختفت. من العدم.
كيف؟ لماذا؟
أنا لا أعلم.
لكن ما أعلمه الآن...
أنني قد جُننت. رسميًا. وأكيدا
رأيكم ؟
نجمة و تعليق اذا عجبكم فصل.
قصير لأنو أحداث لسا ما بدأت .