بسم الله بدأت و عليه توكلت.
••••••••••••
لم يكُ مجرّد رعب أو خوف، كان أقسى، أعتى، و أشدّ مرارة من أي وقت مضى.
الأربعاء، السادس من نيسان عام أحد عشر و ألفين، تحديدا في سجن زولطو كروغ؛
عيون جاحظة، ثياب خِرقة بالية على جسد هزيل تتجلّى عليه آثار الضرب و التعذيب القاتل. في الزنزانة رقم 69، زنزانة لم يطأ الخير أرضها مذ شُيّدت ليس فيها سوى ثقب بسيط على السقف يتسلل منه ضوء خافت كان هاربا من قدر مشؤوم.
في ركن سحيق قذر... حيث كان حبيس بائس مرميا على الأرض الباردة، شاحب الوجه مُسحت عن محياه آثار الحياة و صوت صراخه يصدح في أرجاء المكان كلما التقى السوط بجلده المنهك الهالك. و أمامه، جلاده؛ رجل خشن الملمح عريض المنكبين غليظ الشكيمة، واقفٌ يرمقه بغلٍّ و حقد متلذذًا بألمه، و في يمناه سوط لم لكن يهدد، بل يعد.
استمر يراقبه بصمت لدقائق حتى رأى فلاديمير يجمع شتات أمره، لينبس السجان بحدة و حزم كان وقعهما شديدا على الأول:" لو أردت الموت، فلك ذلك".
في نفس اليوم، في منطقة شامباني شمال شرق فرنسا؛
رُكِنت سيارة من نوع rolls royce ghost phantom أمام مبنى مدرسة سانت بيير الداخلية، لتنزل منها امرأة على مشارف الأربعين شقراء بهية الطلة، مهيبة الخطى... تسبق صبية صهباء طويلة الشعر لا يربط بين شكليهما رابط.
تقدمت أكولينا نحو تايسيا بهدوئها المعتاد، فراحت تعدّل سترتها ثم رفعت بوجهها نحوها، لم تتعجب أن رأتها تبكي ولا أنها لم ترتب ياقة قميصها بالشكل المناسب، مسحت من دموعها ثم قبلت وجنتها و قالت بلين لم تعهده:" لن تبقي هنا طويلا، ثقي بي".
هزّت الأخرى رأسها هدوءً تتراجع للخلف مشيحة بيدي أكولينا من عليها وقت أن كانت الأخيرة تمدها بالنصائح و التوجيهات اللازمة لمكانها الجديد تتخللها كلمات المواساة و الموازرة بشكل طفيف، لتختم كلامها قائلة:"رقمي معك أليس كذلك؟" و دون أن تدع لتايسيا مجالا للجواب أضافت:"تأكدت بنفسي من تسجيله" فقرصت خدها و ابتعدت حيث ناديت من قبل السائق و حارس البوابة.
و ما إن مضت حتى أخذت تايسيا هاتفها تنظر.. لتجد الرقم نفسه الذي حذفته قاصدة، مسجلًا باسم أمي و مدرجا ضمن قائمة المفضلين.
كان الجو حينها غائما ينذر بودق قريب إذ بدأت تايسيا تأخذ خطاها بعيدا عن أكولينا و البقية ، تجاوزت البوابة الرئيسية لمّا بدأت معالم المكان تترائى لها شيئا فشيئا، من الممر الذي يتوسط مساحة البقعة الخضراء إلى النافورة التي ينقسم عندها الأول، فالطلاب الذين يحيطونها جماعات و فرادى و ينتشرون في كل مكان سواها.
ثم رفعت رأسها تعاين المبنى الرئيسي، الذي كان يتفوق بتصميمه القوطي العتيق و ألوانه الفاتحة المتدرجة بين الأبيض للجدران إلى الأزرق السماوي للقرميد، فالبنايتين المتطابقتين في كل جانب منه.
مدت بصرها أبعد عن ذلك بقليل ليقع على عريش دائري مطلي باللون الأبيض موجود في منئى عن أماكن تجمع الطلاب و أمامه شجرة الصفصاف الباكي مترامية الأطراف.
و بعدما كانت تنوي إكمال المسير للأمام، تنكّبت تجاه العريش تخترق المساحة الخضراء... حين أن بدت لها المسافة ببعد أميال خلالها غاصت بذكرى يومها...
كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة صباحا في بلدة ايلتسوفا الروسية... في ليلة كسائرها من الليالي، أين اطمئن الجميع في مضاجعهم و حل السكون منازلهم.. إلّا في مكان واحد.
غرب المدينة، حيث يقع قصر عائلة ايفانوف.. كانت أكولينا تركض في الأرجاء بذعر تلملم ما بقي من شتات عقلها تتدارك الموقف؛ كانت تجوب هنا و هناك تلقي بأوامرها على الخدم الذين كانوا أشبه بعش دبور هائج لا أحد منهم يفقه ما يعمل...
و بعيدا عنهم، في الطابق الثاني، كانت تايسيا تراقب من شرفة حجرتها الجمع الغاضب من أهل المدينة المطالبين برحيلهم.. أو إعدامهم!.
حينها، و بينما كانت تائهة في متاهات الماضي القريب تتفاجأب بكونها واقفة أمام العريش سارحة في الشجرة التي كان يجلس تحتها فتى ذو شعر طويل، أبيض الوجه هادئ الملامح... لم تبدر منه حركة توحي بإدراكه وجودها و لم يرفع رأسه عن الدفتر الذي في حجره.
لوهلة، تناست وجهتها و مصيبتها، و انقطع حبل أفكارها بينما ظلت تتأمله.. في داخلها فضول حول سر هدوئه، و الذي منعه من الحركة رغم أولى قطرات المطر التي بدأت تنهمر عليه و تبلله قبل أوراقه، أوراقُه... رغِبت بشدة في سؤاله عن فحواها...
الذي كانت تراه لغز... لغز أرادت الكشف عنه، فكّ شيفراته و الغوص في طيّاته.. لكن كيف؟! هل ستكون قادرة حتى على إلقاء التحية؟ أم أنها كعادتها ستبقى مجرد مشاهد يشغل أحد كراسي الصف الأخير؟ أفكار شتى جالت في رأسها من مجرد النظر لهذا الفتى الغريب الذي قد يبدو لأي شخص آخر مجرد طيف عابر، إلا أنه لفت انتباهها، لعلّها بدأت بحب المكان؟.
أثناء ذلكد و بينما أصبح العالم لها نسيا منسيا رن هاتفها.. انتفضت، رجفت و وجهها احمر فأسرعت الخطى بعيدا.
يناير خمسة و عشرون و ألفين، باريس.. فرنسا؛
شاب ثلاثيني أبيض الوجه، طويل الشعر خفيف اللحية و الشارب هادئ الملمح متكئ على سيارته أمام مقهى يتفقد ساعة يده كل بضع ثوان و ينقر بأصابعه على سطح السيارة...
دقائق من ذلك حتى يقدم صاحبه يسرع الخطى...
بلغه جوليان، و قبل أن ينطق ماريوس بكلمة اعتراض سبقه يسحبه يده ثم يربط على رسغه سوارًا من نسيج يحمل اللونين الأبيض و الأسود...
ماريوس سحب يده ضاحكا يتفحص السوار ثم علّق:" من أين لك هذا؟"، رد عليه جوليان باعتيادية و هو يمده بعقد على شكل خريطة فلسطين :"رأيت طفلة تعرض مثل هذه الحليّ في الباحة الأمامية لمنزلهم، قالت ان الأرباح ستذهب لعائلتها في غزة" التفت ثم أكمل:" بالله عليك، ساعدني بارتداء العقد".
امتثل ماريوس لطلب صاحبه.. و أثناء ذلك تكلم:"أحيانًا أتسائل أين العرب و المسلمين من كل ما يحدث.."
"مشغولون بقضايا العالم الثالث" ردّ جوليان يفضّ النقاش.
ثم ربت على كتفه و أشار به إلى التقدم.. دلف الاثنان للمقهى و بعد هنيهة من البحث إذ بفتاة من إحدى الطاولات تلوّح لماريوس.
تقدما نحوها، و بكل خطوة يخطوها ماريوس كان يعاين، يتفحص و ينتقد الفتاة...
ناتاشا، ابنة عائلة شارابوف الروسية؛ شابة في نهاية العشرينات، شقراء طويلة الشعر زرقاء العينين.. شكليًّا كانت مثالا للفتاة الروسية التقليدية... يتذكر لها بضع مواقف من الطفولة حين اعتادت السفر مع أبيها قبل أن ينقطع لسنوات عن فرنسا...
ألقى ماريوس و جوليان التحية ثم جلسا أمامها، و لم يكن انزعاج الفتاة شيئا صعب الملاحظة.
بادر ماريوس بالكلام محيّيًا بأسلوب لبق يتخلله من الغرور الشيء القليل:" أهلا، آنسة ناتاشا؛ أنا ماريوس بينيت... لا بد و انك تعرفينني" ابتسمت له ثم مدت يدها تصافحه قائلة:"مرحبا، سيد ماريوس... شرف لي لقاؤك".
بادر ماريوس بالكلام محيّيًا بأسلوب لبق يتخلله من الغرور الشيء القليل:" أهلا، آنسة ناتاشا؛ أنا ماريوس بينيت... لا بد و انك تعرفينني" ابتسمت له ثم مدت يدها تصافحه قائلة:"مرحبا، سيد ماريوس... شرف لي لقاؤك".
في تلك الأثناء أتى نادل يأخذ طلباتهم فكان اول طلب من نصيب ناتاشا التي طلبت قهوة سادة مع كعك فراولة ليتكلم بعدها ماريوس"نفس طلب الآنسة لو سمحت" و مثلهما طلب جوليان استحياء.
بعد انصراف النادل استوجب على ماريوس الكلام، خصوصا و أنه لم يغفل عن عدم ارتياح الفتاة... عدّل من جلسته و أشار نحو صاحبه مكلّما ناتاشا:"هذا خليلي جوليان، أرجو ألّا يكون وجوده يسبب لك أي نوع من الازعاج" . تبريره جعل ناتاشا تصافح جوليان قائلة:" لا أبدا، مرحبا بك..." بعدها عم الصمت بين الثلاثة.
ناتاشا كانت تراقبهما عن كثب، تحلل و تنتقد... جوليان كان أجمل شكلا من ماريوس و الاخير كان أهدأ، لكن و بطريقة ما فإن جوليان بدا خجولا اكثر فطوال اللقاء لم ينبس ببنت شفة بل و لم يرفع عيناه من الأرض حتى... تسائلت لو انه يعرف شكلها من الأساس...
الوضع بدا يصبح ثقيلا، الصمت طال و الاحراج بدأ يتسلل بينهم... حينها حضر النادل يضع طلباتهم على الطاولة فوجدها ماريوس فرصة لبدأ حوار جديد فبادر قائلا:" سمعت انك طبيبة نفسانية" أشارت موافقة فردّت:"أجل صحيح، لدي عيادة في موسكو".
و هنا بعد صمت طويل تكلم جوليان للمرة الاولى مبديا تعجبا :"كيف ستتزوجان دامك تعيشين في روسيا و هو هنا في فرنسا؟" التفت لماريوس ثم اكمل:" لم اسمع عن نيتك بمغادرة البلد" ماريوس كان يشيح بنظره بعيدا عن جوليان يبحث عن أي عذر أو كذبة.. إلا أنها سبقته تجيب بهدوء:"هذا ليس خياره". عمدت إلى استفزاز جوليان، و نجحت!.
قبض جوليان على فكّه كاتما غيظه لمّا نظر الى ماريوس فرآه صامتا مستسلما كمن كان لديه خبر... اما الاخير فقد جعل من جوليان أمله الأخير للنجاة من هذا الواقع المفروض ككل مرة، ناتاشا التي كانت مستمتعة بالمشهد امامها اعتدلت في جلستها تنتظرانفجار جوليان، لكن ما فعله انه مدّها بدبّوس يحمل نفس الوان علم أوكرانيا:"هدية صغيرة مني اتمنى ان تعجبك" قال و على وجهه ابتسامة نصر لم تخفِ غضبه حينما بانت تعابير الامتعاض عليها رغم انها تداركتها تعيدها سيرتها الاولى.
تنفس ماريوس الصعداء و استضحك بخفة اذ أن ناتاشا لم تتحرك ساكنة تاركة يد جوليان ممدودة اليها، هنيهة و قد وضعها امامها ثم نكز صاحبه بكوعهو قال ممازحا:" أغبطك يا صاح، زوجة اخي المستقبلية وفية لك لدرجة أنها لم ترضى ان تاخذ مني هدية بسيطة و انت موجود" احمر وجهه و غطّاه بكفه على الطاولة يضحك بلا صوت فتلاه الآخر لكن بشكل هستيري و صوت عالِ.
ناتاشا أبقت ابتسامة مشدودة على وجهها و أصابعها تطرق على الطاولة بنفاد صبر، فكّرت أن تغادر مسرحيتهما بلا صوت و تعلن الاستسلام لكنها رمت بكلمات علّها ضربت ماريوس في الصميم:"وصلنا للوقت الذي تتم اهانة بلدي من قبل فرنسي استخدمه صديقه عديم الشخصية للهروب من زواج مدبر" أخذت الدبوس و ثبتته على حقيبتها و تكلمت:" لم اتوقع ان تكون لائقة عليها هكذا أشكرك" بينما ترفعها في وجهه قبل أن تأخذ خطاها للخارج.
راقبها جوليان فاغرا فاه يتمتم في نفسه:"توقعت أن تناديه باللعين أو الأحمق..." ثم التفت لصاحبه يضحك:"الفتاة ذكية، قامت بتحليل الموقف كام..." تعثرت كلماته و خفّت ضحكته لمّا نظر له يراه سارحا مكفهرّا..
هاتفه كان يرن، مرة.. مرتان... لم ينتبه حتى الثالثة ليأخذه ببطئ كمن لديه كل وقت الدنيا ليجيب باعتيادية:"أهلا، كيان، تريدين شيئا؟"، المعنية لم ترد الّا بعد هنيهة من الصمت بصوت اشبه به الى الصراخ من الحديث:"كلمتان لا ثالث لهما، لدينا اجتماع" ثم أقفلت الخط.
وقف ماريوس مباشرة اثر سماعها و بعده جوليان، وضع الحساب على الطاولة ثم خرجا مسرعين... انطلق ماريوس بسيارته يضحك و جوليان لتلك اللحظة لم يفهم ما يجري حتى تكلم الآخر من تلقاء نفسه:"كيان اتصلت" اوما الآخر ثم علّق:"بالمناسبة، لو حصل بينك و بين ناتاشا شيء رسمي لفضّلت ان تعيش معها في روسيا"... "لماذا؟" سأل ماريوس يرجع الى ملامحه الجادة ليضحك بشكل أقوى ما ان رد صاحبه:" قد نكون محظوظين لو ان صاروخا من اوكرانيا يضرب موسكو و هي هناك فنتخلص منها اضافة الى أن بقائها في باريس سيتسبب بتلوث سمعي للجميع... قالت انها طبيبة نفسية، أجزم أنها لو حاولت علاج شخص فرنسي فانه سينتحر بعد الجسلة".
توقف قليلا عن الكلام يضحك ثم أضاف:" لكنتها مريعة... تشبه تايسيا" بدا كم غاص في الذكرى، ثم أضاف:"اتذكرها؟" و بينما كان ينتظر اجابة ركن ماريوس سيارته يكرر بشكل آليّ:"رصيدك انتهى وصلت لوجهتك"، ربّت جوليان على كتفه شاكرا ثم نزل و هو يوصيه بايصال السلام لكيان...
تحت شجرة الصفصاف الباكي عند العريش، يجلس ماريوس في جحره دفتر و بيده قلم يعضه كلما تعثر في الكتابة و نسي ما يليق من الكلم، مندمجا تماما مع عمله مستئنسا بوحدته... بيد أن صوت رنين أعاده من عالمه للواقع، رفع رأسه فرأى كيان فتاة يبتعد عنه مسرعا.
تكرر سؤال جوليان في رأس ماريوس، في كل مرة يتمتم:"جاهل يسألني إن كنت أذكر روحي..." و قبل أن ينتبه، وجد نفسه أمام مبنى الشركة في موقف السيارات، ركن سيارته و تقدم بالولوج مسرعا.
صعد إلى إحدى الطوابق و منها إلى غرفة صغيرة للاجتماعات أين لقى كارين معها المصمم في الداخل.
سلّم على كليهما و انضم يننظر للتصميم الأولي للغلاف...
الوقت يمر ببطئ في قاعة الاجتماعات الصغيرة، و بينما كان المصمم يشرح عن كل تفصيلة بسيطة في تحفته كما يشير كان ماريوس و كيان تارة معه و تارة في خيالهما ينتقلان بين الماضي و الحاضر.
لسبب تجهله، استحضرت ذكرى ذلك اليوم حين كانت ابنة الثالثة عشرة، في غرفة المعيشة متوسطة الحجم التي يطغى عليها اللون الذهبي مع أخرى عشوائية كأطقم الفناجين الزرقاء و السجاد الأحمر تقف أمام ذاك الرجل الغريب الذي ظهر فجأة من العدم قائلا أنه والدها.
الساعة الرابعة و الربع، حقيبتها موضوعة أمام الباب نصف المفتوح و زيّها المدرسي ذو اللون الزهري الفاتح ما يزال عليها، قدماها تكادان تتحملان الوقوف بينما الجو أصبح حارًّا فجأة يمنع الهواء من الوصول إليها.
يداه في جيوبه و قامته شامخة بهالة سوداء مخيفة، يرمقها كأنه لا يطيقها... و فجأة، انحنى نحوها يستند على ركبة واحدة و عيناه مثبتتان على زرقاويها فقدّم يده يسمح بها على شعرها ثم تقوست شفتاه يظهر ابتسامة مزيفة يصطنع الأسى:"كأنك صورة عن المرحومة الغالية".
•••••••••••
Aaaaand, cut😭✨
الحمد لله الفصل الأول تم بعد وقت طويل من جلد الذات و المعركة مع الكسل👊🏻💥.
اللهم صلّ و سلم و بارك على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين.