بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ☆
13 ابريل
الشمس الساطعة نشرت دفئها بين الجميع في ذلك اليوم الربيعي الجميل الذي تلا يومًا ماطرًا
الأزهار تملئ الحدائق بألوانها البهية والزاهية و ضحكات الأطفال وركضهم المرح هنا وهناك يضفيان شيئًا من البهجة والتفاؤل .
هناك من يمشي بهدوء في هذا الصباح الباكر حرصًا على صحته ،وهناك من هو يستمتع بأشعة الشمس اللطيفة في المقاهي ، وهناك من يعاني في المنزل لحساسيته من الربيع .
وهناك في ذلك المنزل الكبير الذي تنطق جدرانه بالثراء الفاحش لدى اصحابه، اجتمع افراد العائلة المكونة من أربعة افراد ،في غرفة الطعام يتناولون فطورهم ،المليء بشتى أصناف الأطعمة الشهية بصمت مطبق يعكس كآبة معاكسة لأجواء الفصل الربيعي الجميل
لم يكن صمتًا معتادًا ، لطالما كان منزلهم صاخبًا ، لكن خلافًا قد وقع بين الاخوين ولم يجرء اي من الأبوين على الحديث معهما .
اصغرهما يجلس عابسًا يعبث بطعامه دون أكله والأكبر يشرب قهوته بلامبالاة متناهية والأم والأب ينقلان نظراتهما بينهما بحيرة
لا يعلمان حتى لما تشاجرا لكن الأمر كانو واضحًا من الأصغر الذي يرفع نظره ناحية اخيه الجالس قبالته بين فنية واخرى بعبوس ،
والأكبر الذي كان يتجاهل تلك النظرات ،
قطع ذلك الصمت حديث الأم وهي تقرب كوب عصير البرتقال إلى أصغرهما
« جيمين .. لم تأكل شيئًا؟»
« لا أريد ، لست جائعًا »
تمتم بخفوت دون رفع رأسه عن الطبق الذي امامه
«هل ستلتقي بزميلك اليوم؟ ذاك الذي تعمل معه على مشروع الجامعة؟ ماذا كان اسمه ؟ »
قطع الأب ذلك الصمت مجددًا محدثًا إبنه الأصغر في محاولة منه لإعادة الاجواء لطبيعتها ،كان سؤالًا عاديًا، لكنه لم يكن يعلم أنه سيكون الشرارة لشجار آخر .
« أوه بوم سوك ..»
رفع جيمين رأسه قليلًا، ثم أومأ وأجاب على سؤاله بصوت خافت
همّ الأب أن يضيف شيئًا، ربما ليلطف الجو، فقال:
«من الجيد أن تجد من يقدّر اجتهادك جيمين. عملك في المشاريع ممتاز.»
ضحك الأكبر بسخرية خفيفة، ووضع كوب قهوته على الطاولة ببطء.
«تقدير؟ لا أعتقد أن استغلال الآخرين يُسمّى تقديرًا.»
تحدث دون ان ينظر لجيمين الذي يحدق به بالفعل
توقّفت يد جيمين عن العبث بطعامه ، وأخفض رأسه متحاشيًا النظر له . كانت نبرة أخيه تحمل الكثير، أكثر مما تحتمله جملة واحدة.
« يونغي لا تبدأ منذ الصباح ..»
نظرت الأم له وتحدثت بنبرة محذرة
« لم أبدأ شيئًا يا أمي ، هو يثق بأي شخص يبتسم له ، ثم يأتي إلي باكيًا عندما يؤذيه »
«يونغي...»
همس الأب، و بنبرته شيء من الحدة
« لم أقل بأني أثق به !»
رفع جيمين عينيه نحو أخيه، وقال بنبرة هادئة مدافعًا عن نفسه .
وقف يونغي بعدها بهدوء، والتقط سترته، ثم أضاف دون أن يلتفت
« أتمنى فقط ألا تدفع ثمن ثقتك هذه... مجددًا.»
ما إن انهى جملته حتى غادر دون ان ينتظر جيمين والذي نهض ولحق به سريعًا
« هيونغ انتظر »
وقف يونغي قرب السيارة بهدوء منتظرًا منه الحديث
«هيونغ ،انا اعلم أنك لا تثق به لكن ..... إنه ليس صديقي، فقط من أجل المشروع لا أريد أن أقوم به لوحدي مجددًا، لا أريد أن أكون مختلفًا عن الآخرين ، وهو الوحيد الذي قَبل العمل معي ، انا لا أثق به إنه فقط .... »
تحدث بتقطع وصوت منخفض محاولاً ايصال ما يعتقده بصورة سليمة
كان جيمين يدرك تمامًا أنه لا يستطيع التعامل مع الآخرين كما يفعل الجميع ،
و أن مهاراته في التواصل شبه منعدمة، لذا حاول إيصال الأمر لأخيه ، وأخفض بصره يلعب بأنامله ما إن استدار يونغي لينظر اليه
« لن أكرر ذات الخطأ مجددًا أعدك .. ثم هو لن يؤذيني إنه مجرد مشروع »
تحدث مكملًا حديثه ما ان وجد صمتًا من الأكبر الذي لم يكن يعرف بما عليه ان يجيبه ، هو فقط كان قلقًا عليه ولا يريده أن يتأذى .
«أنت لست مختلفًا بل انت مميز ، مين مين ، انا بجانبك لست ضدك لكني قلق عليك فحسب ، لا أريدك أن تتأذى بسببه »
تحدث يونغي بحنو يوصل له بأن غضبه منه لم يكن سوى خوف عليه ، سبق وأن حدث موقف كهذا سابقًا وتأذى جيمين بسبب ثقته بأفراد مجموعته وهو لا يريد لهذا ان يتكرر مجددًا
« آسف .. لن أثق به كثيرًا أعدك »
قد فهم الأخر ما عناه شقيقه بكلامه لذا هو سيكون حريصًا هذه المرة على اتباع ما يقوله له .
ابتسم له يونغي واقترب يحتضنه وربت على رأسه بخفة ولم يدم ذلك الحضن ثوانٍ حتى ابتعد مراعيًا ظروف أخيه الأصغر الذي يكره اللمسات و الأحضان
لكن يونغي فقط مسموح له بإحتضانه ولو لفترة قصيرة ، لم يقل أحدهما شيئًا بعدها وركبا في السيارة ليذهبا إلى الجامعة معًا .
----------------
---------
جامعة سيول
في أروقة جامعة سيول المزدحمة، اختلطت أصوات الطلبة وهم يهرعون إلى محاضراتهم، ببائعي القهوة في الأكشاك الصغيرة ،
والهواء المحمل بعطر الربيع وأوراق المحاضرات المبعثرة.
كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا، تملأ المكان بضوء ذهبي ناعم ينعكس على نوافذ المباني الحديثة.
دخل يونغي وجيمين إلى الحرم الجامعي بصمت ، ليس بسبب ما حدث صباحًا لكن أصغرهما يكون هادئًا في الأماكن العامة لتوتره الشديد من الزحام والأعداد الكبيرة ،
توجها ناحية الحديقة ، للقاء أصدقائهما كما المعتاد والذَيّنِ كانا متواجدان بالفعل
« ها أنتما .. لم تأخرتما اليوم ؟ »
تحدث ذلك الشاب الطويل وعريض المنكبين بإبتسامة جميلة متسائلاً عن سبب تأخرهما ، فهما دائمًا ما يأتيان مبكرًا، ويكونان هنا قبل ان يصل هو ،
وذلك لكون جيمين يحب المجيء مبكرًا عندما لا تكون الجامعة مليئة بالكثير من الأشخاص ،
لكنهما اليوم تأخرا لأن كليهما استغرقا وقتًا أطول في النوم .
« صباح الخير لك أيضًا جين هيونغ »
تحدث يونغي بسخرية ما إن وقف امام صديقيه
« نعم صباح الخير يونغي ، صباح الخير جيميني »
قال جين بينما يقلب عيناه من هذا الفتى المزعج ، ووجه نظره لجيمين بإبتسامة واسعة ، يحيه في نهاية كلامه
« صباح الخير لك أيضًا »
تمتم جيمين يبادله التحية بإبتسامة مشرقة
« إنه يكرهني أنا أقسم »
نطق يونغي مشيرًا لجين بينما يحادث صديقهم الواقف وبيده كتاب يناظرهم بتململ
« يكرهنا جميعًا لا عليك ، بإستثناء جيمين بالطبع »
سار بإتجاه يونغي ووضع يده على كتفه يطبطب عليه بمواساة كاذبة ولوح بيده الأخرى التي تحمل الكتاب لجيمين بينما يتحدث ، جاعلا كلاً من جين وجيمين يضحكان
« نعم ، لأنّ جيمين مهذب أما أنتما وقحان »
تحدث جين بجدية يرد عليهما
و ضحك جيمين مستمتعًا بتلقيه المديح من جين
« ستبدأ المحاضرة علي الذهاب »
تحدث جيمين بعد نظره لساعة يده ورأى الساعة اصبحت في التاسعة إلا خمس دقائق
« انتظرني جيمين ، سآتي معك لدينا محاضرة مشتركة اليوم »
تحدث نامجون بينما يلتقط حاجياته من فوق الطاولة لاحقًا بجيمين الذي مشى ليذهب لقاعة المحاضرة
جيمين يدرس التصميم الداخلي ، ونامجون يدرس الهندسة المعمارية لذا لديهما مادة مشتركة لكلا من التخصصين وهي الفيزياء
اما يونغي فهو يدرس في كلية الفنون ، الموسيقى والعزف بينما جين يدرس الطب البشري .
كانوا قد التقوا في المدرسة الثانوية حيث جين ويونغي كانا في لجنة الانضباط الطلبي فتعرفا على بعضهما من خلاله،
ونامجون يكون ابن عم جين لذا تعرف على كل من يونغي وجيمين وهكذا اصبحوا أصدقاء، يفترقون في وقت المحاضرات ويجتمعون مجددًا عند الإستراحة .
........
تفرقوا ليذهب كل منهم لدروسه ، وجيمين ونامجون ذهبا للمحاضرة معًا وجلسا في الطاولة الأخيرة كما يحب جيمين
فهو يعاني من اضطراب طيف التوحد الذي يجعله شديد البعد عن الآخرين ، وأقل قدرة على التواصل معهم
وذلك في الواقع ما كان سبب شجار يونغي وجيمين صباحًا،
لأن معاناة جيمين من طيف التوحد وإكتفائه بعدد قليل جدًا من الأشخاص تجعل من الصعب عليه ملاحظة طبيعة من أمامه ، ويجد بعض الصعوبة في التعرف على من يستغله ومن لا يفعل .
قد تتسائلون كيف يدرس بالجامعة بتخصص لا يعد هينًا كالتصميم الداخلي اذا كان مصابًا بإضطراب طيف التوحد؟
ذلك لأن جيمين قد أظهر ذكاءًا كبيرًا في الرياضيات و الحسابات مذ أن كان في السادسة من عمره ، حتى ناداه بعض الأساتذة بالعبقري ،
كانت لديه قدرة تحليلية كبيرة وقدرة عالية على الفهم ، اذ كان يستطيع حل الكثير من المعادلات الصعبة في غضون دقيقة بجواب صحيح ودقيق للغاية ،
وكانت لديه ذاكرة تصويرية قوية تجعله يتذكر كل شيء عند رأيته لعدة ثوانٍ فقط ، مما جعله جيدًا للغاية في المواد التي تتطلب حفظًا ، كالتاريخ وغيرها
و هذا جعله من الأوائل دائما حتى تخرج من الثانوية بمعدل عالي خوله لدراسة هذا التخصص الصعب نسبيًا ،
والذي أظهر تفوقًا كبيرًا به وخصوصًا في المواد المشابهة للفيزياء.
كان كلاهما يجلس بصمت يراجعان مادة الإمتحان حتى قطع صمتهما مجيء شخص ما ليجلس بجانب جيمين متحدثًا بإبتسامة كبيرة
« صباح الخير جيمين ، كيف حالك ؟»
لم يكن سوى بوم سوك شريكه في المشروع والذي يشاركه هذه المادة أيضًا، لذا أجابه جيمين بإبتسامة صغيرة
« صباح الخير الخير لك أيضًا، أنا بخير »
ابتسم بوم سوك ودفع كوب قهوة مثلجة ناحية جيمين وقال
« تفضل جلبت لك واحدة ، أعلم أنك تحبها »
التقطها جيمين متحدثًا بإبتسامة
« نعم ، شكرًا لك »
صمتا ولم يتحدث أحدهما بعدها ، جيمين ليس معتادًا على التحدث مع أحد و خاصةً بوم سوك
كان غايةً في التوتر وغير مرتاح البتة ، فصدى كلمات يونغي هذا الصباح لا يزال يرن في أذنه "لا أريدك أن تتأذى بسببه " وبقي يذكر نفسه بأنه مجرد زميل .
وبوم سوك لم يعلم ما عليه قوله
أما نامجون فكان ينقل بصره بين جيمين المتوتر ، و بوم سوك الجالس على هاتفه، وكتابه ،
كان هو الآخر غير مرتاح لبوم سوك هذا، ويشعر بشيء خاطئ ناحيته ،حتى جاء البروفيسور و بدأت المحاضرة و ركز جميعهم معه .
..........
انقضى بقية يومهم الجامعي بهدوء ومرت المحاضرات بسلاسة
حتى جاء وقت الإستراحة واجتمعوا معًا بإستثناء يونغي فأحد المعلمين قد طلبه ،
مما جعل جيمين غير مرتاحًا ومتوترًا ،فهو لم يعتد منذ دخوله الجامعة على مفارقته ليونغي ، الذي كان يساعده على التأقلم هنا ويخفف من توتره ،
هو كان جالسًا رفقة نامجون وجين بالفعل ، إلا أنه كان ينقل بصره كل دقيقة إلى باب الكافتيريا ، منتظرًا عودة أخيه
وما زاد من توتره قدوم بوم سوك ناحيته بإبتسامة،
ورغم كون بوم سوك يعامله بلطف إلا أنه قد وضع في عقله خطًا أحمرًا تحت إسمه ، يذكر نفسه بحديث يونغي وبأنه ليس عليه الثقة به
«جيمين .. من أجل المشروع ، غدًا عطلة نهاية الأسبوع لذا كنت أفكر بأن نقوم بإنهاءه غدًا، ما رأيك ان نذهب لمقهى هادئ وننهيه ؟»
تحدث بوم سوك بهدوء وشيء من التوتر بسبب نظرات جين الحادة نحوه ، لذا هو قد حرص على الدخول بصلب الموضوع مباشرة دون أي مقدمات
« نعم لا بأس »
تمتم جيمين بخفوت متمنيًا بأن يذهب بوم سوك بسرعة فهو متوتر منذ الأساس ووجود بوم سوك هنا الآن لا يساعد ، فهو وبعد كل شيء يعتبر بالنسبة لجيمين غريبًا.
« رائع، إذًا سأرسل لك العنوان غدًا ، وداعًا »
ابتسم بوم سوك بوسع و نطق منهيًا الحديث وغادر سريعًا دون انتظاره لسماع رد ، مما جعل جيمين يطلق نفسًا لم يعلم بأنه يكتمه
تزامُننا مع مجيء يونغي مما جعل توتره يخف قليلاً لكنه لم يذهب بالكامل ، فالأعداد في الكافتيريا ليس بقليلة وكل تلك الضجة التي يحدثها الطلاب هنا تزعجه فالأصوات العالية تؤذيه وتشوشه ،
لذا عندما شعر جين بذلك إقترح أن يذهبوا للحديقة حيث اعتادوا التواجد ولم يعترض أحدهم لذا ذهبوا لهناك وبدأ كل منهم يروي معاناته للآخر كعادتهم .
------------------
----------
مرحبًا جميعًا، و أهلاً وسهلاً بكم في روايتي ، ستكون هذه الرواية بطابع يحوي غموضًا وتشويقًا ، أتمنى أن تنال أحداثها و قصتها إعجابكم ♡ و سيسعدني أن تعطوها دعمكم بنجمة ♡
قد تبدو الأحداث مملة للوهلة الأولى ، لكن ذلك فقط لأنها البداية ستتغير الأحداث بشكل جذريّ و كبير في الفصول القادمة .
* ملاحظة : بشأن ما ذكرته سابقًا بشأن ذكاء جيمين في القصة ، هو شيء حقيقي ومتواجد علميًا ، ويدعى بإضطراب طيف التوحد مع متلازمة عبقري ، والمصابون بها يظهرون قدرات استثنائيه وغير معتادة في بعض المجالات المعينة، على الرغم من وجود بعض الاضطرابات وصعوبات في التواصل أو التعلم إلا أن موهبتهم تكون مدهشة في مجال ما كالحسابات مثلاً وهي حالة نادرة لكنها موجودة .
-------------
-------