1

1

14 0

8:30مصر-القاهرة

القاهرة الجديدة

9 سبتمبر 2022

8:30

تخرج تلك الشابة من غرفتها مسرعة و هي ترفع شعرها الأسود الطويل على شكل كعكة ... تنزل الدرج الذي يؤدي إلى الطابق الأول حيث المطبخ و غرفة الضيافة ... تتوجه مباشرة إلى غرفة الضيافة ، تحمل الجريدة الموضوعة فوق الطاولة و تعود إلى غرفتها مهرولة متجاهلة المرأتين الجالستين هناك...

تلتفت إحدى المرأتين و تحدث الأخرى :

- ماذا أفعل يا خديجة ؟! هته البنت صارت مهووسة بجريدة اليوم إلى درجة عدم تحيتي في الصباح..تستيقظ باكرا في أيام العطل فقط لأجلها أخاف أن أسألها يوما عن مدى حبها لي فتقارنه بحب تلك الجريدة.

تنهدت خديجة تضع يدها على خدها و تهز رأسها بحسرة :

- لقد كانت صغيرة نشيطة لا تفوت تحيتنا الصباحية أبدا كأنها من المقدسات لكنها الآن كبرت لتكون شابة مشغولة..مهووسة بالطب و الجرائد...هي حتى لا تشبه شباب عصرها..مهووسة بما لا يمكن لأحد أن يحبه..

قلبت الأخرى عينيها ثم مدت يدها نحو فنجان قهوتها الساخنة مزامنة مع كلامها :

- لا تفتحي جروحي يا خديجة ، فتغيرها المفاجئ هذا يثقل كاهلي..زينب فتاة واعية مثقفة لذا لم أعتد القلق عليها ، لكنها الآن تقلقني رغما عني .. حتى أني صرت أخاف أن تفني شبابها في الدراسة و قراءة الجرائد فقط ، فهذا ما تفعله منذ أربعة أشهر.

+ بينما الكهلتان تتحسران... زينب و هي الشابة التي ظهرت منذ قليل...تجلس في العلية التي فوق غرفتها محيطة نفسها بعدد كبير من الوسائد كأنها تغرق بينهم ، ممسكة بفنجان شاي ساخن ترتشف منه بينما تقرؤ الجريدة بتمعن شديد...

خديها الملونتان بالأحمر ، الإبتسامة المشبوهة على وجهها و وضعية جلوسها الغريبة كافيتان لفضح سرها..."هي فتاة واقعة في الحب"...مع من و كيف...هذا سر لم يتم إكتشافه بعد...لربما يكون مدير دار طبع و نشر الجريدة التي بين يديها..و ربما لا...لا أحد يدري..

بعد ساعة كاملة من التمعن و التقليب ، وضعت الصحيفة على أرضية غرفة السقف و أخرجت رأسها من النافذة المستديرة للمكان تستنشق الهواء الصباحي النقي كأنها تجمع شتات نفسها المبعثرة بعد تلقي ما أرادته بشدة ...دخلت بعد أن إستجمعت أفكارها و في عينيها عزم قوي ، يبدو أنها أخيرا قررت القيام بتلك الفكرة التي كانت تتبادر إلى ذهنها منذ مدة طويلة ...

أخذت بيدها ورقة و قلم كانا أمامها ثم صبت كامل إهتمامها فيها ، فكتبت بعض الكلمات لكنها سرعان ما مزقت الورقة لتعيد الكرة مرة و إثنتان و ثلاث ... بدون جدوى ،لم تنل أي من الحروف التي صبتها إستحسانها ، رمت ما بيدها و أخذت تتدحرج هنا و هناك في تلك المساحة الضيقة للعلية فقد بدأت تفقد الأمل و صبرها بدأ بالنفاذ

لكنها عادت لتكتب مجددا، هي لا تخطط للاستسلام بهذه السرعة.

بعد محاولات عديدة باءت بالفشل ، تقف أخيرا أمام محاولتها المرضية الوحيدة كتبتها بخط جميل واضح و أدخلتها بظرف أغلقته بإحكام بعد أن وضعت طابعا عليه ، حملت بعدها قلما أسودا و كتبت على الأخير من قمر....

نزلت من العلية مسرعة لتقوم بإخفاء الظرف داخل درج مكتبها و كلها أمل أن تكون كلماتها المكتوبة كافية لإثارة إهتمام الشخص المعني فهذه ستكون آخر محاولة لها ...ستكون آخر قطرة حبر ستريقها في سبيل ذلك المجهول...

الأحد 11 سبتمبر 2022

في طريقها إلى الجامعة تتوقف أمام دار نشر أحد الجرائد الشائعة في المنطقة جريدة "أخبار اليوم" ، أخذت نفسا عميقا قبل أن تطأ قدمها المكان لتتوجه مباشرة نحو ركن نشر المقالات و الكتابات و غيرها .

حمحمت لتجذب إنتباه المسؤول هناك من خلف الزجاج ثم نبست بابتسامة :

- أهلا عمو فتحي ، كيف أحوالك ؟

إرتفعت نظرة الكهل نحوها بسعادة واضحة فقد إنقطعت أخبارها عن المكان لمدة ، و أخرج يده من الفتحة الوحيدة هناك ليصافحها مرددا :

- خير بمجيئك ، خير حصل...لقد أقلقتني عليك يا فتاة !

قهقهت بخفة ثم أخرجت الظرف الذي كتبته صبيحة الجمعة و ناولته إياه مجيبة بإبتسامة حزينة :

- محاولة أخيرة...أفكر في الإستسلام إن لم أنجح هذه المرة...

تنهد العم ليتناول الظرف من يدها يتفقده ، حتى توقف عن تقليبه كأن شيئا ما أثار إنتباهه ، فتحدث معها و نظرته مازالت على حافة الورقة :

- قمر ؟؟ إسم جديد إذن ؟! لكنه جميل.

ثم أكمل كلامه و هو ينظر إليها :

- لدي إحساس بأنك ستنجحين هذه المرة أيتها الصغيرة...لذا أزيحي هالة الحزن هته عنك و أشعلي نيران الحب في قلبك مجددا ، لا تتخلي عن حبك أبدا يا زينب فندم الشيخوخة لا يرحم.

كانت كلماته كفيلة برش بريق الأمل داخل عينيها مجددا فقد أعاد إحياء شغف جبن ليتوارى داخل حصون قلبها العاشق ... إرتسمت إبتسامة مشرقة على وجهها فظهر أسنان الأرنب اللطيفة خاصتها و غمازتها التي توضعت على خدها الأيمن كدليل سعادة في كل مرة تبتسم فيها...

أدارت ظهرها مغادرة و هي تجيب العم :

- سأحرص على حمل كلماتك معي في حقيبة تحفيزي يا عمو فتحي ، شكرا لك.

غادرت المكان مباشرة متجهة نحو الجامعة التي كانت قريبة جدا من المكان.

*****

تدخل زينب أول محاضرة لها ليوم الأحد قبل نصف ساعة من إبتدائها ، تجلس في مقعدها المعتاد في صف الكراسي الأول مقابل مكتب الأستاذ ، المكان المثالي للطالبة الجميلة ، فنصف الجمال ذكاء.

أخرجت كتبها و حاسوبها المحمول قبل أن تلتفت بعد أن دق مسامعها صوت شخصها المفضل :

- زينوووبتي ! أرنوبتي !

قهقهت زينب على كلمات صديقتها لترد تحيتها بطريقتها هي الأخرى :

- مريومتي ! حلوتي !

ثم وقفت ليتبادلا حضنا صباحيا دافئا ... كل واحدة منهما بمثابة بطارية للأخرى تشحنان بعضهما كل صباح كجزء من الروتين.

مرت دقائق و افئدتهما على حالها متشابكة ككيان واحد حتى قررت زينب فصل العناق متحدثة :

    - كيف كانت الإجازة ؟ أتمنى أن لا تكون أسوء من خاصتي.

أدارت مريم حدقتيها الزرقاوتين بينما تعدل حجابها بملل و أجابت :

    - سأشكر الله هذه المرة لأني على قيد الحياة و أني في جامعتي للآن ، لقد كانت عذابا لا إجازة !!

وضعت حقيبتها أمام حقيبة صديقتها ثم أكملت :

    - كاد يقتلني هذه المرة ، فقد فقد عقله منذ أن هربت أمي...رغم أني من شجعها على ذلك لكن لم أتوقع أن تفعلها بهذه السرعة و تتركنا خلفها.

كانت كل كلمة تضيفها تشعل غضب زينب و تزيد من سخطها على والد صديقتها ، هي لم تعهده هكذا قبلا فقد عرفته منذ الصغر بحكم أنها كانت مقربة من مريم منذ الطفولة لكنه بدأ بالتغير بشكل كلي عند إفلاس شركته حيث بدأ بتبني العنف كوسيلة للتخلص من غضبه الكامن و بعد سنوات من تحمل الإهانات غادرت أم مريم المنزل بدون أثر أي قبل ثلاث أسابيع من الآن لذا هو الآن يستعمل مريم كأداة تكفر ذنوب أمها الهاربة التي لا يعتبرها أحد في هذا الكون ذنوبا غير الذكوريين المتخلفين...

قاطعت زينب كلامها بانفعال :

    - فلتحضري أخيك و تعالي للعيش معي...إختبئي في منزلي يا مريم ! من المستحيل أن تبقي في ذلك المنزل أطول من هذا..قد يقتلك و يرمي بجثتك عرض الحائط كأنك نقطة في هامش الورقة لا إبنته العزيزة..

تنهدت الأخرى على كلام صديقتها الذي كان يتسلل إلى مسامعها كل يوم طول ثلاثة أسابيع ثم إبتسمت بحنان بينما تضع وجه زينب بين يديها :

    - تعرفين أني قوية يا زينب ، لذا ثقي بي سأخرج سالمة من هذا المنزل عندما أتخرج..و لم يتبقى الكثير ...فقط عام آخر و سأهرب أنا و أخي كذلك لنترك ذلك الرجل يتحسر على خسارة كل من عمله و عائلته...

رغم عدم زوال تعابير وجهها الغير راضية حركت زينب رأسها مهمهمة كأنها تخبرها أن صبرها سيتمدد إلى عام آخر....هي غير راضية..لكنها ستحاول..

قاطع حديثهما دخول مجموعة من الطلبة الآخرين لذا إنتهى النقاش و أخذت البنتان تتهيآن لبدء المحاضرة.

*********

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نسيم القمر | moon breez

المؤلف morina♡
2025/08/02 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة