ليلة هادئة
لايسمع فيها إلا صوت عواء ذئب
صوت لا يبدوا كصوت عادي، عواء يخالط الألم والحزن
صوته جعل من عقلي يخيل لي صورة إنسان محتجز في قفص صغير
فتحت نافذتي وأطلت برأسي أبحث بناظري هنا وهناك عن صاحب الصوت، لكني لم أجده
إنكمش قلبي بداخل صدري، وشعرت كأن سكينا حادا غرز بداخلي، جمعت كفي يديا وأغمضت عيناي أرفع رأسي وأدعوا الرب أن يبعد الحزن عن صاحب العواء الحزين، وأن يجلب له سعادته في أقرب فرصة
أغلقت نافذتي وعدت للسرير أفكر في صاحب العواء، الذئب المسكين. حتى أغمضت عيناي أستقبل برحابة صدر أميرنا النوم.
بعد أن إستيقظت صباحا جال في فكري كعادتي كلمة تسيطر على وجداني وكياني، وأخذت أفكر بها كعادتي أشرد عن بقية العالم
الحب
لطالما فكرت في هذه الكلمة بعمق
ماذا قد تعني ؟ ولما يرمز بها للمشاعر التي نكنها لأشخاص نعتز بوجودهم ولا نرغب برحيلهم، أشخاص نتفهمهم ونرغب برؤيتهم يبتسمون بسعادة دوما، نقف معهم أمام العالم بأكمله، في الهدوء والضجيج، في المرض والصحة، وخير دليل على كلامي هو حب والدي لأمي. ويا رباه كم تسرني رؤية طائري الحب هذان معا، حتى مع مرض أمي وشحوبها فوالدي لم ينظر يوما لغيرها، لم يتركها يوما ولو للحظة.
لطالما أخبرتني أمي دوما عن مواقفهما التي تجعل الإبتسامة تشق وجهي، وتثير في صدري عاصفة من الورود الشائكة وتحيط بي رجفة تسيطر على معدتي وتجعلني أرقص كما لو أنني أنا من أعيش تلك اللحظات الصغيرة، لكنها دافئة ومستمرة لليوم. رغم كبر والدي وشحوب وجهه، وشيب شعره الذي يعلن بكل وضوح عن بلوغه الستين إلا أنه لا يزال يولي أمي اهتماما كبيرا ويعاملها كأنها طفلته الصغيرة.
لن أكذب وأقول أنني أغار على والدي العزيز ، فأنا إبنته الصغرى قبل كل شيء ومدللته، لكن لا بأس بمشاركته مع والدتي، فهي تحتاجه حقا وأكثر مني بكثير.
وآه، كم يشعر قلبي بالأسى والإنفطار على حالها الأليم، كلما أتذكر حديث والدي عن شباب والدتي تتجمع الدموع بعيناي وأشعر كما لو أن بداخلي شيئا تحطم لقطع لا يمكن جمعها
أمي كانت دوما شابة، جميلة الجميلات في مدينتنا الصغيرة ....... رشيقة تقفز هنا وهناك مثل النحلة، تملأ أصوات ضحكاتها المكان .... تنشر طاقة من النشاط والسعادة لمن حولها، كأنها هرمون متحرك جالب للسعادة
بشعرها الأشقر الذي يظاهي السنابل في شقاره، وعيونها الزرقاء التي من عذابها تبدوا كأنها سماء محملة بالهناء
وأناملها الرقيقة التي أينما حطت جلبت السكينة والوئام للقلب
لكن هذا كله لم يدم طويلا، فبعد إنجابها لأخي بدأت صحتها في التلاشي وزاد الأمر سوءا بعد ولادتها لي
لم تعد أمي تلك الحسناء، الفراشة التي كانت تجلب البركة أينما حطت المحسودة من قبل كل فتيات مدينتنا
عندما سقطت أمي طريحة الفراش بعد عامين من إنجابها لي، حاول الجميع إقناعه بالزواج من أخرى مع أسبابهم الواهية "تزوجها لتعيد شبابك يا عميدنا"، "لست مضطرا للعيش هكذا للأبد" ، "أنت رجل وللرجال رغبات" ، "ليست مسؤوليتك أن جسدها ضعيف وغير قابل لتحمل" وقابلهم جميعا بالرفض القاطع مرة وثلاثا ومئة
حتى زاد الأمر عن حده في إحدى الإجتماعات التي تقام لمعرفة شؤون المدينة، لكن من بالإجتماع نسوا موضوع الإجتماع، أو لنقل كان الإجتماع أساسه مخفي تحت غطاء حل مشاكل المدينة الصغيرة، وأكبر مشكلة تواجههم هي حقيقة أن والدي لم يرمي أمي بعد ويتزوج شابة
لذا حاول كل من بالإجتماع بإستثناء صديقيه تسوله لزواج من بناتهن، حتى إشتعل غضب والدي بسبب جملة خرجت من شفتي آخر كائن يمكن أن تفكر به أب والدتي نفسه، عجوز بلغ السبعين من عمره آنذاك، كان الشيب يأكل رأسه والشحوب يحيط يغزو بشرته، بشرة إسفنجية عفنة.
يعتز بنفسه كما لو أنه ملك وهو لا يساوي أشرار ديزني في ظفر قدمهم الصغير، يحيط نفسه بالترف من كل جانب، كان جالسا بمحاذات والدي يناظره بحدة كما لو يود نخر جمجمته، صمت طويلا وعندما تحدث كما لو أن أفعى هي من تحدثت:"يا عميدنا أنت رجل قوي ونحن رعاياك نرغب بإستمرارك صحيا عقليا وجسديا ونفسيا .... لذا فهلا تقبلت الواقع المعاش وتوقفت عن محاولة التهرب من حقيقة أن زوجتك عائق في طريقك أنت وعائق على تقدم وإزدهار مدينتنا؟"
ذليل لعين بلسان يفوق طوله بأضعاف، يعلم بأن والدي شخص محترم ويحب أهل المدينة وعمله، لذا شد الخناق على رقبته وينتظر أن يفوز، لكن والدي ليس ذليلا ولا دنيئا، ولن يكون يوما
لم يحتمل والدي الأمر ورفع يده اليمنى يهوي بها على سطح الطاولة جاعلا من الجميع يولونه إهتمامهم، ودون تضييع ثانية واحدة هدر بصوته"ليس الأمر من شأنكم بتاتا...... لم أشتكي لكم يوما لذا توقفوا عن جعلي أبدوا كما لو أني شحاد يحتاج للعون .... وأنت يا أب زوجتي، أنت آخر من يحق له أن يتحدث بموضوع كهذا، فأنا لست دنيئا مثلك أرمي زوجتي فقط لأنها مرضت بسبب إنجاب أطفالي"
لم يكد ينهي كلامه حتى أتته سخرية القابع بجانبه جدي العجوز:"وهل أنت خائف؟"
تنفس أبي بإضطراب ووقف بقوة جاعلا من الكرسي يسقط "خائف ؟؟ هل تمزح معي أم ماذا ؟ مما قد أخاف؟ من كوني رجلا عند كلمتي ولم أخن زوجتي وأرميها؟؟ " صرخ به وأكمل:"أنا راض بزوجتي وأحبها ..... لم أتزوجها لأجل شهوة، بل لكوني أحبها ولأنها هي من أردتها زوجة لي ..... وهذه آخر مرة يتدخل بها أحدكم في شأن يخصني أنا وعائلتي ..... والمرة القادمة ستكون هناك عواقب"
صمت ورفع يده يغطي بها عيناه، صوت أنفاسه الملتهبة وإرتجاف يده يدل على أنه في أعلى مراحل غضبه، أبعد يده من فوق عيناه وجال بأنظاره حولهم جميعا ثم وبصوت هادئ :"لو قام أحدكم بجذب هذه السيرة أمامي مجددا ..... سأرحل مع عائلتي .... ولندع ملك المستذئبين داريس ينصب عليكم الجلاد أدولف عميدا لكم، والأمر موجه لك أنت بالذات يا أب زوجتي"، صمت وأكمل: "ليس علي أن أشرح كيف سيعاملكم الملك دارسي وجلاده أدولف فسمعتهما تسبقهما على حد علمي"
لم يسمع بالقاعة ولا صوت سوى أنفاس من كانوا هناك، علت أنفاسهم المتسارعة بسبب ردة فعل والدي، كونهم تجمدوا فمن هذا الذي يقبل الجلاد أدولف عمدة عليهم أو حتى بينهم، ومن هم حتى يرفعوا مشكلتهم لملك المستذئبين بذاته داريس، نظر لهم جميعا لدقائق ينتظر إعتراضا واحدا على قراره، ولم يجد
وبهدوء تحرك ينوي الخروج فاتحا الباب، توقف ثم إستدار ناحيتهم، وبهدوء نبس:"كما توقعت، فل نبقي شأن حياتي الخاصة لي وحسب ..... دون تدخلاتكم المثيرة للشفقة، ودون رفع مشاكلنا لملك المستذئبين"
ورحل بعدها صافعا الباب خلفه، ومنذ ذلك اليوم وحتى هذا اليوم لم يتجرأ أحدهم ولو بكلمة واحدة أن يحط من قيمة والدتي أو أن يذكر اسم عائلتي بالمنتصف آل سميث
أعد والدي قديسا أو بطلا لم تلوثه أفكار وعادات أهل المدينة، حتى أنه نقل مكتب عمله إلى منزلنا ليبقى دوما بجانبها أينما إحتاجت له وها هو ذا المكتب الصغير الجميل الذي يشهد على موازنة حب والدي لعمله وحبه لوالدتي
مكتب بجانب غرفة نوم والدتي هكذا حتى يطمئن قلبه عليها رغم كون هذه الغرفة أصغر غرفة بالمنزل إلا أنها أكثر مكان آمن بالعالم
غرفة دافئة، ذات جدران بنية تتصادم مع اللون الأخضر صانعة لوحة طبيعية خلابة تجعلك تسكن للحظات
ستائر بيضاء تحيط نوافذها ، ومكتب صغير تملأه الأوراق المنظمة على صفين مع كرسيه ، وخزانة تحوي كل ما يهم مدينتنا
وأريكة باللون الباج الباهت متوسطة الحجم تقابل المكتب، تزينها أنا، نعم أنا بكل مراحل عمري كنت أمضي وقتي بأكمله مستلقية هنا تارة وبغرفة والدتي تارة. أقص على والدي وصديقي الوحيد هنا كل أفكاري دون خوف أو رهبة من أي شيء، كما أفعل الآن
كنت مستلقية على الأريكة وأحادث والدي الذي يدفن رأسه بين عدة صفحات تملأها كلمات غير مفهومة بتاتا لشخص مثلي، أما هو فكان يهمهم بين الحين والآخر يناظرني بحدة يرفع حاجبه كما لو أنه يطالبني بأن أؤكد الفكرة حتى يظهر تملكه لإبنته الصغيرة والحبيبة لقلبه
دون أن أتوقف باشرت أثرثر بحماس غير عادي كعادتي:"وكم سأكون سعيدة جدا إن كانت توقعاتي صحيحة ..... تخيل معي يا أبي العزيز بأن يأتي صهرك في ليلة حالكة وينقذني من براثن الأشرار كأنه فارس مقدام يخرج من رواية خيالية ....... ويطلب يدي في نفس الوقت"
صرخت بمتعة أدفن رأسي بالوسادة الصغيرة التي بجانبي قبل أن أسمع إعتراض والدي :"لا وألف لا"
أزعجني رفضه في البداية لكن أضحكني عندما استرسل يقبض على قلمه الحبري بين يداه:"لن أقبل بوقوعك في خطر كي يظهر فارسك المغوار والحبيب وينقذك ...... وضعيها برأسك المحشو بحلوى التفاح بأن إبنتي لن تتأذى في حضوري هنا ..... ومادمت حيا لن أدع أي شخص يلمسك لا أنتي ولا والدتك"
ضحكة خفيفة تسربت من شفتاي جعلت من والدي يضحك حتى هو ويهز رأسه على غرابتي، رن المنبه بجانبي يكسر لحظة الأب وابنته يجعلني أقف سريعا لأطفئه وأتجه لأقدم قبلة لطيفة مثلي لوجنة والدي الحبيب مودعة إياه وأنا أستمع لنفس الأسطوانة كالعادة، قلقه هذا علينا إيجاد حل له قبل أن يصيبه بأزمة قلبية:"نيلوفر لا تركضي ولا تقتربي من الغابة يا طفلتي، أنا أحذرك لا تجعلي قبل هذا الأب ينزف ألما على أذيتك"
ربت على كتفه وعانقته بجانبية ألامس بجبهتي مقدمة رأسه:"لا تقلق يا أبي فطفلتك مؤدبة تستمع للكلام ولا تفعل عكسه"
رفع حاجبه الأيسر يناظرني بشك:"كما لو أنك لم تكسري يوما كلامي وتجعلينني أركض هنا وهناك بسبب إصابة قدمك لأنك صعدتي إلى شجرة للإختباء من المتنمرين"
تنهد ثم رفع رأسه يربت على شعري:"إبقي آمنة هذا هو أقصى رغباتي، هل فهمتي يا طفلتي"
ثم أكمل بهمس:"تلك الغابة غابة محرمة علينا نحن بني البشر ..... لا أريد خسارتك أنتي ايضا ..... فلا تخطئي مثلما أخطأ أجدادك من قبل"
أومأت أحرك رأسي وإنسحبت أحمل سلتي وأركض نحو الجزء الخلفي من المدينة ومن الجيد أنه لا يبعد عنا إلا بعشر دقائق فقط، ركضت بسرعة جاعلة من فستاني الطويل الأصفر المملوء بالورود الحمراء يرفرف معي، نزلت السلالم من الطابق الثاني إلى الطابق الأرضي بسرعة وصوت إرتطام حذائي بالأرض يدوي المكان، كان علي أن أسرع لإحضار بعض الأعشاب لتستخدم كشاي لأمي التي بدأت تسترد صحتها الآن وفقط بعد طول سنين
أثناء ركضي لمحت شخصا كان ذات يوم صديقا لي والآن صار شخصا مقرفا بنظري، صديق طفولتي الوحيد سابقا، أما الآن ما عاد لي صديقا ولن أصفح عنه وعن أفعاله بتاتا، صديق كان يوما سندا والآن صار خنجرا في الظهر بعد أن لوثته أفكار ومعتقدات بني المدينة. كان منتصبا يناظرني كما لو أنني لوحة فنية عتيقة لرسام قدير ليست بمكانها.
تجاهلته أستمر بالركض وكلي علم بأنه يتابعني بعيناه مثل كل مرة أمر بجانبه ومثلما يفعل بقية الشباب، يأكلون النساء بأنظارهم
سواء كانت جميلة او قبيحة، مملوءة او ضعيفة، طويلة أو قصيرة، كل ما يهمهم هو إفراغ شهواتهم في وعاء حتى ولو كان الوعاء لا يريدهم ويرفضهم رفضا قاطعا
توقفت عن الركض حينما وصلت إلى وجهتي، قرب الغابة هناك عدة أعشاب مفيدة للصحة، ولا يرغب أحد بالمخاطرة بنفسه والركض حتى هنا، فالغابة المحرمة على بعد أمتار منا فقط
وسمعتها تسبقها بألاف الأشواط والسنين، لطالما حذرني والدي من بلوغها لكنني لست من تستمع لتحذيرات، آسفة يا أبتي لكنني مجبرة على هذا، وكإعتراف صغير غير مؤذي، معظم الأعشاب التي عالجت أمي موجودة بالغابة ولا أحد يعلم بهذا السر
بعد نصف ساعة من جمع الأعشاب إلتفت برأسي عدة مرات أتأكد من عدم وجود أي شخص يراقبني أو يلاحقني، وركضت بعدها مجددا ناحية الغابة، تقدمت إلى الأمام حتى وجدت بقعة صغيرة تملؤها الورود البيضاء من كل صوب وبمنتصفها عدة حشائش كانت هي مبتغاي، نزعتها بحذر ووضعتها بالسلة
تجمدت حواسي عندما وصل لأذناي أنين خافت لحيوان، استدرت ببطء ومشيت أتبع الصوت حتى وصلت إلى مساحة واسعة لا تغطيها الأشجار هناك بها يستلقي ذئب جريح، جرحه ذاك كان غريبا، يا إلهي إنه مصاب وبخنجر من الفضة
وضعت السلة ببطء وإقتربت بحذر أعاين حجمه وشكله الضخم من بعيد، ذئب أسود يفوقني في الحجم بمرتان، لم يفتح عيناه حتى شعر بي على بعد عدة سنتمترات منه، ويا رباه تلك العيون الزرقاء التي تنافس المحيط بعمقها وزرقتها كانت تشابه خاصتي.
ويا رباه !!! لاحظت لمعة غريبة عليها لثانية لكنها اختفت بعد لحظات، اقتربت ببطء أكثر أستمع لزمجرته المختلطة مع أنينه
أردفت ألوح بيداي أمامي وأحرك رأسي للجهتين محاولة تهدئته:"إهدء يا صغيري .... لا تقلق لست هنا لإيذائك"
هدأ للحظة بعد سماعه لصوتي، إقتربت خطوة ثم جلست بقربه، مسحت على رأسه بيدي أستشعر ملمس فرائه وكم كان رائعا بحق، دافئ وقوي، عاينت جرحه بنظراتي على مقربة دون لمسه خوفا من أن يزمجر الذئب ويؤذي أحدنا، لذا إستدرت له أمسك وجهه الضخم بكلتا يداي، شهيق زفير وتنهدت:"إسمعني يا صغيري ...... أعلم أن جرحك مؤلم وأعلم بأنك متعب لذا ...... دعني أنزع الخنجر وأعقم جرحك"
ثم صمتت وإسترسلت ثانية تحني رأسها للجانب تناظره بلطف:"هل توافقني؟"
نظر لي بتلك العينان الزرقاء التي تخفي الكثير وأومأ كأنه يفهم الحروف التي تنساب من شفتاي، استغربت هذا الامر ونظرت له مطولا "هل تستطيع فهم كلامي؟"
شعرت به يحاول تأكيد الفكرة لي لكنها خرجت كزمجرة خافتة، ربما هو نوع ذكي من الذئاب السوداء الكبيرة، من يدري ؟ لكنني لم أظن أن إنقاذي لهذا الذئب، سيكون بداية لشيء لطالما أردته يوما
بسبب ذلك الخنجر هو نزف كثيرا وحتى أن ملامحه توحي بالشحوب، لذا فعلت اول شيء خطر على بالي، قطعت القليل من قماش فستاني وبللته بالماء من نهر قريب، عدت له وجلبت عدة أعشاب يمكن استخدامها في علاج الجروح، طحنتها بواسطة صخرة حتى صارت لينة
جلبتها وقمت بنزع الخنجر وكم تألم بسببه هذا الصغير
فور نزعي له، أطلق زمجرة متألمة جعلت من بدني يهتز، لم تكن زمجرة عادية بل رافقها الألم وصوت آخر، صوت بشري أم أنني أحلم ؟
سارعت في إيقاف النزيف ووضع خلطة الأعشاب على جرحه حتى يشفى، ولففت عليها قطعة القماش التي قطعتها من طرف فستاني الطويل، عقدتها بلطف كي لا تفتح وشعرت به يهدأ بعد فترة مستسلما
ربت على رأسه أستمع لخرخرة لطيفة وضعيفة هو يحاول الراحة وانا أزعجه، لكن لحظة واحدة ..... لا يمكنني تركه هنا، الغابة موحشة حتى لو كان حجمه ضعفي مرتان ...... إتخذت قراري ..... جلبت بعض الأغصاب وأوراق الشجر المبللة أضعها أسفله وبجانبه
حاولت سحبه ونحو شجرة خاوية من الداخل لكنني لم استطع، هو كبير الحجم وثقيل كثيرا ...... بدأت أشك في كونه مستذئبا وليس ذئبا
سقطت أرضا بسبب محاولاتي الفاشلة في سحبه
مسحت على أذناه وقبلت الجزء ما بين عيناه بهدوء
"أعتذر لا أستطيع سحبك وعلي الرحيل الآن .... لكنني سأعود بعد قليل ... حسنا؟"
عدت للمكان الذي تركت به سلتي وأخذت نفسا وبدأت أركض نحو المنزل، في طريقي عودتي كان السكون والصمت يطغى على المدينة
ركضت أزيد من سرعتي حتى وصلت إلى منزلي
بدأت أعيد أنفاسي ببطء ....... دخلت المنزل بهدوء وإتجهت نحو المطبخ أين تتواجد السيدة روزا المسؤولة عن حالة والدتي .... سلمت عليها وناولتها السلة دون إكثار في الحديث ...... سألتها عن أمي وهي إبتسمت ببشاشة في وجهي وطمأنتني عنها. أخبرتني بأن أمي نائمة ووالدي معها
لذا انسحبت ببطء أخرج من المنزل اتجه نحو كوخي الموجود بالتلة ..... وكم أشكر الرب أن والدي وافق على إنشاءه ....... فهو بعيد عن أهل المدينة وقريب لمنزلي قليلا ....... كوخ صغير وجميل يحمل كل أسراري
بعد غروب الشمس حملت معي بعض الشراشف في سلتي وسمكا طازجا من عند السيدة روزا ومصباحا قديما يشتعل بواسطة شمعة .... ثم وبخطوات خفيفة لا تسمع ..... سارعت نحو ذئبي العزيز
الليل بدأ يعانق المدينة ويملؤها سوادا
وصلت إليه وأشعلت الشمعة حتى أراه
كان ينظر لي بتلك العيون التي تجعلني أضطرب، تنفست العداء كوني وجدته سالما، علت شفتاي ابتسامة هادئة :"صغيري آسفة على التأخير ...... لقد جلبت بعض الطعام لك وشرشفا لأسحبك نحو منزلي .... أنا لن أتركك هنا ولو للحظة أخرى"
ناولته السمك وهو برحابة صدر تناوله بكامله
ولعلي أتخيل أم أنه بدأ يستعيد قوته فهاهو ذا يقف
على أطرافه الأربعة ويحشر رأسه في رقبتي
أخرج لسانه ولعق وجهي يجعلني أضحك بخفة
أبعدته عني وغسلت وجهي بالنهر القريب
وطلبت منه أن يسير معي نحو كوخي
كوخي المتواجد في تلة خلف منزلي
وللغرابة كان مطيعا جدا لي بل لم يحاول ولو للحظة مهاجمتي ....... كنا نسرع تارة ونبطئ تارة بسبب خوفي من أن يكشف أمري أحدهم .... أخذت الطريق الأطول الذي يجعلني ألتف حول بعض المنازل حتى أجد كوخي البعيد قليلا عن الناس فوق التلة
عند اقترابنا من التلة اخذنا بزيادة سرعة حركتنا
صعدناها بسرعة وذهبنا للباب الخلفي من الكوخ
أين تتواجد لي حديقة ومساحة صغيرة لزرع الخضار
كنت أجهز له مكان مبيته ببعض القش والبطانيات
وتركته يلتف حول نفسه ويستلقي .... لايزال متعبا كثيرا .... جلبت له الطعام وفواكه والماء أضعهم بجانبه
جلست القرفصاء أمامه ومسحت على رأسه
خلخلت اصابعي في فروه أستمع لخرخرته
ذئبي مستمتع، خرجت مني ضحكة مستمتعة بالوضع الراهن
بزغت الشمس تعلن بداية اولى ساعات الفجر
مما جعلني أتفقده بنظرة سريعة أقبل الفراغ بين عيناه
وأحمل أغراضي أركض لبداية التلة ثم نحو المنزل
دخلت أمشي على أصابع قدماي بخفة حتى لا يسمعني أحد
مع اتخاذي اول خطوة لصعود السلم
سمعت حمحمة قوية أعلم لمن تعود
وهذا جعلني أبتلع ريقي، استدرت بخفة مغمضة عيناي أحني رأسي وأمسك بطرف فستاني بأصابع يدي
"إرفعي رأسك يا نيلوفر" وتحت طلبه قمت برفع رأسي ..... أبي كان جالسا فوق الأريكة ينتظرني يعقد ذراعاه على صدره ..... ويراقبني بنظرة غير سارة أبدا
من نظرته تلك علمت أن هناك من كان يراقبني وينقل له كل أخباري وهذا واضح من غضبه .... حاولت الاقتراب وفتح شفتاي للإعتذار أو التبرير لكنه أوقفني بحدة
"توقفي .... أنتي لم تستمعي لكلماتي بتاتا ..... لقد خرقتي كلامي ووعدك لي" ثم أكمل بنفس الحدة "دخلتي للغابة وأحضرتي معك ذئبا أضعاف حجمك وإلى أين إلى كوخك ؟؟؟؟"
وقبل أن يسكتني مجددا اقتربت منه أعانقه وأردف محاولة إخماد غضبه "لم أقصد يا أبي ..... أنت تعرفني ..... إنه .... إنه مجرد ذئب صغير .... ربما بإنقاذي له سيعود الأمر علينا ويتم إنقاذ والدتي، ارجوك يا أبي تفهم أسبابي"
"نيلوفر إنه ليس ذئبا صغيرا ..... حجمه يوحي بكونه مستذئبا يا ابنتي، وهل أوافق على أذيتك لإنقاذ أمك، لا ولا"
"لكنه لم يتحول لذا هو ليس مسوذئبا .... لم أقل بأنني سأتأذى ، إستمع لي لمرة واحدة فقط"
"مثلما إستمعتي إلي ؟"
"أعلم بأنني أخطأت لكن ... ثق بي أرجوك يا أبتي"
أخذ شهيقا وزفيرا يحاول تهدئة نفسه وبادلها العناق يترك قبلة فوق شعرها "أنتي ابنتي الصغيرة وأنا قلق عليك ...... لا أرغب بأن أستيقظ يوما على خبر ..... "
أنهى حديثه واستشعرت الألم في نبرة صوته
لم أتحدث وانتظرته يكمل حديثه "نيلوفر أنتي قطعة مني يا إبنتي..... هل تودين أن أموت قلقا أو بسكتة قلبية ؟"
انسحبت من عناقه بقوة وحركت رأسي نافية، إغرورقت عيناي واشتدت غصة تخنقني بالداخل "لالا، لا تقل هذا مجددا ... انا اعلم انا اسفة لقد أخطأت لكنني لن افعلها مجددا ... فقط ثق بي هذه المرة يا أبتي"
أعادني إلى عناقه يعانقني ويحاول تهدئتي "شششش .... صغيرتي ... اهدئي ...... لن يحصل شيء"
إنتشر الصمت بالمكان حتى قاطعه صوت والدي الحنين "إذن تم إضافة فرد جديد لعائلتنا ؟"
إبتسمت على حديثه وابتعدت عن حضنه بإنشات "يمكنك قول هذا .... لحظة واحدة ... أبي هل توافق على بقائه معي ؟"
أنيهت حديثي بحماس طفولي وابتسامة تشق شفتاي
نظر لي مطولا ثم ابتسم يربت فوق شعري بيده الدافئة "وهل أرفض طلبا لمدللتي الصغيرة"
عانقته بعد سماعي لكلامه، أحطت بذراعاي جسده بقوة وصوت ضحكاتي يعلو "أحبك يا أبي .... أنت أفضل أصدقائي ... وشخصي المفضل"
بادلني العناق يضع قبلة فوق شعري "أحبك يا أيضا يا صغيرتي ... نفس الشعور يا بنتي العزيزة، لكن أمك هي مفضلتي"
أنهي حديثه يقهقه يجعل مني أنفخ خداي
لدي إحساس جيد بأنني فعلت الصواب ولم أخطئ
أتمنى أن لا أعاقب على أفعالي وتهوري
قلبي مرتاح الآن لكن هناك شيء ناقص ... فقط أين أنت يا قدري ؟
*إنتهى*
مرحبا بكل من يحب المستذئبين
أتمنى أن هذا الفصل قد نال إعجابك
ضع رأيك في التعليقات فمملكة الدماء تنتظرك
𝑫𝒖𝒌𝒆 🎩
Drakaris 🦦